تلفت الصور التي نشرتها بعض المواقع ، و تقدم على أنها توثق لتوقف سيرغي لافروف بمطار محمد الخامس في الدار البيضاء، الانتباه إلى مشهد يستحق التأمل: طائرة روسية على أرض المغرب، ومسؤولون يتحركون أمام سلمها، في توقيت تتباين فيه القراءات الإقليمية لموقف موسكو من ملف الصحراء.
وإذا تأكد أن وزير الخارجية الروسي اختار التوقف في الدار البيضاء ذهابا وإيابا خلال رحلة مرتبطة باجتماعات مجموعة العشرين، فإن تكرار المحطة المغربية يطرح سؤالا سياسيا يتجاوز الصورة: كيف تدير موسكو علاقاتها مع الرباط، بينما تجد الجزائر في بعض مواقفها الأممية ما يستحق الاحتفاء؟
تكمن المفارقة في الميل إلى قراءة العلاقات الدولية بمنطق الاصطفاف الكامل؛ وكأن التقارب في ملف واحد يعني تطابق المصالح في كل الملفات، أو كأن الخلاف داخل مجلس الأمن يفضي بالضرورة إلى قطيعة ثنائية.
لكن القراءة الأكثر اتزانا لا تختزل علاقة موسكو بالرباط في تصويت، ولا تعتبر كل تقارب روسي جزائري موجها بالضرورة ضد المغرب. فقد تتعارض المواقف في ساحة، وتستمر قنوات التواصل في ساحات أخرى. وهذه المسافة بين الخلاف والتواصل هي ما يغيب أحيانا عن الخطابات الاحتفالية التي تتعجل إعلان انتصار طرف وخسارة آخر.
ومن هذه الزاوية، تكتسب محطة الدار البيضاء دلالتها المحتملة: ليس باعتبارها إعلانا روسيا جديدا بشأن الصحراء، بل باعتبارها تذكيرا بأن العلاقة مع المغرب لا تختفي بمجرد اختلاف المواقف داخل الأمم المتحدة.
ما تقوله الصور.. وما لا تقوله
تمنح الصور المصاحبة للتدوينة بُعدا بصريا لافتا فهي تُظهر طائرة تحمل اسم «روسيا»، اشخاصا أمام سلمها خلال توقف ليلي. لكنها لا تكفي وحدها لإثبات تاريخ الرحلة أو مسارها أو طبيعة التوقف، فضلاً عن تفسير دوافعه السياسية.

وهنا تبرز ضرورة التمييز بين المشهد والاستنتاج. فالتوقف التقني، إن كان كذلك، لا يساوي زيارة رسمية، ولا يثبت تحولا في موقف موسكو، كما أن عدم التوقف في الجزائر لا يكفي للجزم بوجود فتور معها. غير أن ذلك لا يمنع من مناقشة المفارقة التي تثيرها الرحلة، شريطة ألا تتحول الإشارة إلى يقين، أو الصورة إلى دليل على ما يتجاوز مضمونها.
أبعد من الاحتفاء العابر
السؤال الأهم، إذن، ليس لماذا لم يزر لافروف الجزائر، بل لماذا يُفترض أن موقفا روسيا واحدا يمنح طرفاً إقليميا حق الحديث باسم خيارات موسكو كلها؟

بالنسبة إلى المغرب، تبدو القراءة الأجدى هي تلك التي تقيس العلاقات باستمرارية التواصل واتساع المصالح، لا بحرارة التعليقات العابرة. وبالنسبة إلى من سارع إلى اعتبار الموقف الروسي اصطفافا نهائيا، فإن محطة الدار البيضاء، متى تأكدت تفاصيلها، تدعو إلى قدر أكبر من التريث.
فالطائرة لا تحمل دائما رسالة سياسية، لكن اختزال الدبلوماسية في تصويت واحد لا يقدم، هو الآخر، صورة كاملة عن اتجاه الرحلة.