
مرت 27 سنة منذ تولّى صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله مقاليد الحكم، وفِي هذه الفترة سجلت المملكة المغربية مسارا تنمويا وإصلاحيا قويا حيث تم تعزيز دولة المؤسسات، وإرساء توازنات سياسية وأمنية واقتصادية صلبة.
لم تكن هذه السنوات مجرد زمن حكم، بل كانت ورشة إصلاح مستمرة أعادت تشكيل المشهد الداخلي وربطته بفعالية متزايدة بالفضاءات الإقليمية والدولية.
في البنية الدستورية والسياسية شهد المغرب اصلاحات مؤسساتية وتعديلات دستورية مكنت من توزيع أفضل للسلطات وتعزيز آليات الحكامة، هدفها ترسيخ الشفافية والمساءلة والإدماج.
هذه المؤسسة الدستورية القوية لم تعزز الاستقرار السياسي فحسب، بل أمنت أرضية للتجديد الاجتماعي والسياسي يستجيب لمتطلبات المعاصرة والتحديات المطروحة.
على صعيد الأمن، ثبتت المملكة نموذجاً متكاملاً يقوم على مقاربة استباقية متعددة الأبعاد؛ تجمع بين قدرات أمنية فعالة، وتعاون إقليمي ودولي في مجال تبادل المعلومات ومكافحة الإرهاب والتجنيد الشبكي واستهداف التمويل غير المشروع. هذه المقاربة أمنت الفضاء الوطني وأسهمت في حماية المنجزات السياسية والاقتصادية، وفي بناء ثقة الشركاء الدوليين في المملكة المغربية كبلد استقرار في منطقة مليئة بالتقلبات.
دبلوماسياً، رسخ المغرب موقعه كممثل إقليمي ودولي له وزن متميز. انتهجت الرباط سياسة خارجية متعددة المسارات: تعزيز العلاقات التقليدية مع الشركاء الأوروبيين والأفارقة والأمريكيين، وتوسيع الشراكات مع دول الشرق الأوسط وآسيا؛ كما تميزت بقدرة فريدة على الجمع بين المبادرات السياسية والتعاون الأمني والروابط الاقتصادية والثقافية.
هذه الدبلوماسية المرنة والمبادِرة أعادت رسم خريطة نفوذ المغرب، مؤكدة مكانته الاعتبارية على الساحة الدولية.

اقتصادياً، أظهرت المملكة قدرة على إدارة توازن دقيق بين الحفاظ على استقرار المالية العامة وتحفيز النمو الشامل. انتقلت السياسات الاقتصادية من طابع تقليدي إلى مخططات تنموية طموحة تركز على رفع تنافسية الاقتصاد، تنمية البنية التحتية، تشجيع الاستثمار، وتطوير قطاعات استراتيجية (كالفلاحة، الطاقات المتجددة، الصناعة والخدمات). وفي الوقت نفسه وضعت برامج تنموية جهوية تهدف إلى تقليص الفوارق المجالية وضمان استفادة متوازنة للمواطنين عبر جهات المملكة.
النجاح في الموازنة بين الانضباط المالي والتحفيز التنموي لم يكن ممكناً دون رؤية استراتيجية تجمع بين الإصلاح المؤسسي وتشجيع القطاع الخاص، ومعالجة تحديات الشغل والتكوين، وتعزيز شبكة الحماية الاجتماعية.
هذا التماسك بين الرؤية الاقتصادية والسياسات الاجتماعية يعكس نضجاً في إدارة القضايا الوطنية ويفسح المجال لمستقبل أكثر استدامة وشمولاً.
في المحصلة، بعد 27 سنة من حكم جلالة الملك محمد السادس نصره الله، يبرز المغرب اليوم دولة مؤسسية وسياسية وأمنية فاعلة، ودبلوماسية متعددة الأبعاد تعطيه مكانة اعتبارية على الساحة الدولية، واقتصاداً يسعى لموائمة الانضباط المالي مع عدالة تنموية مجالية. هذا المسار لا يعني الوصول إلى غاية نهائية، بل يؤسس لقاعدة صلبة لمواصلة الإصلاح والتجديد كي تظل المملكة قادرة على مواجهة تحديات المستقبل وتعزيز رفاهية مواطنيها ومكانتها في عالم متغير.
*علي الانصاري