ترأس جلالة الملك محمد السادس، برفقة صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، يوم الجمعة في القصر الملكي بالدار البيضاء، حفل تقديم وإطلاق مشروع بناء مصنع لإنتاج أجهزة الهبوط لمجموعة سافران في نواسير، وهو مشروع يعزز مكانة المغرب كوجهة مفضلة وفاعل صناعي متكامل حقيقي في قلب الاقتصاد العالمي.
ربما قرأت الخبر ومررت عليه مرور الكرام: “مصنع لأنظمة هبوط الطائرات في المغرب”. قد تظن للوهلة الأولى أنها مجرد حلقة أخرى في سلسلة التصنيع، لكن التوقف عند هذا الخبر بوعي يكشف لك حقيقة مغايرة تماما.
إذا لم تدرك الأبعاد التقنية لهذه الخطوة، فأنت لم تستوعب بعد المدى الذي بلغه الطموح الصناعي المغربي، وكيف تحول من مجرد “أمنية” إلى واقع هندسي معقد.
نظام الهبوط في الطائرة ليس مجرد إطارات ميكانيكية، بل هو العصب الذي يتحمل أعنف لحظات الرحلة؛ لحظة الاحتكاك بالأرض تحت ضغط عشرات الأطنان وسرعات هائلة وحرارة احتكاك مرتفعة.
إنه الجزء الذي لا يقبل أنصاف الحلول ولا يحتمل هامشا للخطأ، ففشله يعني ببساطة نهاية الرحلة بشكل مأساوي. لهذا السبب، يصنف تصنيع هذه الأنظمة كواحد من أدق وأخطر التخصصات في عالم الطيران قاطبة.
من الناحية التقنية، نحن لا نتحدث هنا عن صناعة استهلاكية أو تجميع بسيط، بل عن هندسة ناضجة تبلغ ذروة الدقة. المبدأ الفيزيائي معروف منذ عقود، لكن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على التنفيذ تحت معايير صارمة.
كل قطعة في هذا النظام يجب أن تعمل بكفاءة مطلقة وسط ظروف قاسية، ومع ذلك تظل موثوقة .
.بنسبة خطأ تقارب الصفر. هنا، لا توجد مساحة للتجربة، بل سيادة كاملة للمهارة والاتقان
حين تمنح الشركات العالمية دولة ما حق تصنيع أنظمة الهبوط، فهي لا تمنحها عقدا تجاريا فحسب، بل تمنحها صك “الثقة الصناعية”. المغرب اليوم يتجاوز مرحلة “بلد التجميع” ليدخل نادي الدول الموثوقة في صناعة الأجزاء السيادية للطائرة.
هذا ليس توصيفا عاطفيا، بل هو اعتراف دولي بأن الكفاءة المغربية بلغت مرحلة من النضج تسمح لها بتولي مسؤولية أمان الملاحة الجوية العالمية.
يمكن القول إن هذا المشروع يمثل توطينا حقيقيا لعلوم متقدمة ومعايير جودة لا تمنح إلا للقلة القليلة في خارطة الصناعة الدولية.
العالم اليوم لا يضع أسرار طائراته وأخطر أجزائها إلا في الأماكن التي يثق في ثباتها التقني ومصداقيتها المهنية. وحين يقع الاختيار على المغرب، فهذا يعني أن الصورة النمطية القديمة قد تلاشت، وحلت محلها هوية صناعية جديدة تتحدث لغة المستقبل