في كواليس كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، التي يسيرها الوزير الشاب ابن إقليم تارودانت لحسن السعدي، تجري هذه الأيام “عملية ولادة” إداريّة غير طبيعية تمامًا… والفضل كل الفضل يعود إلى جهاز “الإيكوغرافيا” الإداري الحديث الذي مكّن الجميع من التنبأ باسم المفتش العام حتى قبل وضع ملفات الترشيحات رسميًا!
فبعد فُتح باب الترشيح لمنصب المفتش العام يوم 09 يوليوز الجاري، وهو منصب يُفترض فيه الحياد والخبرة الكبيرة والرقابة على المال العام والتدبير. شاءت الأقدار أو بالأحرى “مقص الخياط الإداري” أن تُفصل الشروط تفصيلًا دقيقًا يناسب مقاس مرشح بعينه المنحدر من احد المدن المطلة على المحيط، والمعروف أكثر للمتتبعين بمن يصمم له “الجلباب الإداري” الذي لا يخيط إلا للزبون الخاص جدًا!
والأطرف في هذه الحبكة الإدارية أنّ كاتب الدولة الشاب لم يكتفِ بمجرد فتح باب الترشيح، بل زيّنه بلائحة مواصفات تبدو في ظاهرها صارمة وحكيمة، لكنها في حقيقتها تشبه «مقاسات خياط» تُفصَّل بعناية لشخص واحد لا ثاني له!
فجأة أصبح المطلوب ليصبح مفتشًا عامًا ان يكون «شابا لديه خبرة لا تقل عن خمس سنوات»، وفي نفس الوقت «لديه خبرة كبيرة في المجال»… مواصفات لا تُوجد الا في كتالوج كتابة الدولة نفسها!
وكأننا أمام إعلان وظيفي يقول ضمنيًا: «نبحث عن مفتش عام سبق وأن مرّ من هنا، ونعرفه بالاسم، لكننا نُحب أن نُظهر بعض الشفافية للفرجة…».
إنها بالفعل إيكوغرافيا إدارية متطورة، لا تكشف لنا فقط جنس المولود، بل تخبرنا أيضًا بطوله، وزنه، اسمه الكامل، ورقم هاتفه الشخصي… قبل حتى أن يُولد! والأغرب أن الجميع في الإدارة باتوا يتحدثون بثقة وكأنهم يعلنون عن جنس المولود قبل موعد الولادة: «ننتظر فقط الإعلان الرسمي عن السيد المفتش العام «سي.م…».
لكن الأكثر إثارة للدهشة هي مسرحية الرجل الذي أوهم الجميع وببراعة عن دور «الممثل المسرحي المحترف» بأنه مدعوم من شخصية نافذة جدًا «من لفوق»، وأن مكالمة هاتفية واحدة منه قد تُسقط الرعد والبرق وتحرك الصمت المهيب في دهاليز الإدارة.
صحيح نجحت في جعل الكل يصدّقك، حتى كاتب الدولة نفسه، الذي انبهر بالممثل وابتلع “الطعم” وسط تصفيق الحضور في بعض الفعاليات الجمعوية التي خصصها الممثل لعرض براعته في الإيهام والتقرب.
لكن المعني بالأمر الذي ربما يقرأ هذه السطور في هذه اللحظة، لا يعرف أن الشخصية التي يفاخر الجميع بأنه تحت ظله، في الواقع شخص لا يقيم وزناً لمثل هذه الألعاب الخبيثة والمسرحيات المملة، وأن أمره انكشف حتى أمام من يظن أنه قريب منه جدًا.
وهنا تنبيه صريح إلى كاتب الدولة الشاب، الحذر ثم الحذر من الانبهار بالأضواء الكاذبة للممثلين البارعين، فالخشبة قد تنهار في أي لحظة، والجمهور قد يصفق اليوم لكنه سيحاسب غدًا، والمغاربة لا يعرفون المجاملة حين يُكشف المستور. كما نقولها بصراحة جارحة: إن لم تنتبه اليوم، فقد تكتشف غدًا أنّ التصفيق الذي يملأ القاعة ليس إعجابًا، بل هو سخرية مكتومة من جمهور ذكي يعرف النهاية جيدا.
يتبع…..