في واقعة صادمة تختصر ما آل إليه حال الحقوق والحريات في تونس، قضت محكمة تونسية بالحبس ستة أشهر إضافية بحق موقوف لمجرّد رفضه مشاهدة تقرير تلفزيوني حول نشاط الرئيس قيس سعيّد، في مشهد يذكّر بأنظمة الاستبداد التي ترى في النقد خيانةً وفي الرفض جريمةً موجبة للعقاب.
فبحسب ما كشفته الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، فإن المعني بالأمر عبّر عن استيائه عند بث النشرة الإخبارية التي تضمّنت صورًا للرئيس، وطلب ببساطة تغيير القناة، فبادر سجين آخر إلى التبليغ عنه، لينتهي الأمر بتحقيق وحكم بالحبس ستة أشهر؛ عقابًا على «جرأته» في ممارسة أبسط أشكال الحرية الشخصية حتى من وراء القضبان!
محاميه، عادل الصغيّر، أوضح أن سبب غضب موكله يعود إلى ترحيله من إيطاليا، معتقدًا أن الرئيس قيس سعيّد هو من يقف وراء اتفاقيات الترحيل التي طالت مئات التونسيين، لكن ما يثير السخرية والدهشة في آنٍ واحد هو أن المحكمة وجّهت له بدايةً تهمة «الإساءة إلى رئيس الدولة»، ثم أعادت تكييفها إلى «المس بالأخلاق العامة» لتغطية الطابع السياسي الفجّ للقضية.
لم يتوقف العبث هنا, فالموقوف بُرئ من تهم أخرى، لكن لم يُفرج عنه بسبب الحكم الجديد، وعائلته لم تعلم بالإدانة إلا بعد صدور الحكم، وكأنّ القوانين تحوّلت إلى أداة انتقام شخصيّ.
الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان لم تُخفِ صدمتها، مؤكدةً أنّ ما حدث يكرّس سياسة تكميم الأفواه حتى داخل الزنازين، في سياق تراجع خطير ومستمرّ للحريات، حيث بدا أنّ الرئيس قيس سعيّد نسي تمامًا أنّه كان يومًا من الشعب، وبات يتصرّف وكأنّه فوقه.
وإن كانت هذه الحادثة تكشف شيئًا، فهي تكشف هشاشة سلطةٍ يخيفها حتى مجرّد تغيير قناة تلفزيونية، وسلطةً يبدو أنّ أيّامها باتت معدودة ما دامت تعتبر النقد جريمة ورفض المشاهدة «تهديدًا للأمن العام»!