بقلم : علي البدوي . ليبيا
منذ أكثر من عقد تعيش ليبيا أزمة سياسية ومؤسساتية ألقت بظلالها على مختلف جوانب الحياة وأفرزت انقسامًا في المؤسسات وتراجعًا في الخدمات وتعثرًا في مشاريع التنمية .
وفي ظل استمرار البحث عن حلول سياسية ودستورية يبرز مجددًا الحديث عن إعادة العمل بنظام المحافظات العشر بإعتباره أحد الخيارات التي يمكن أن تسهم في تعزيز وحدة الدولة وترسيخ اللامركزية الإدارية وتحقيق تنمية متوازنة في مختلف أنحاء البلاد .
ولا يُعد هذا الطرح فكرة جديدة بل يستند إلى تجربة تاريخية عرفتها ليبيا في ستينيات القرن الماضي عندما انتقلت من النظام الاتحادي إلى الدولة الموحدة مع أعتماد المحافظات كوحدات إدارية لتنظيم شؤون الدولة .
فقد شهد عام 1963 تحولًا دستوريًا وإداريًا مهمًا عبر مسارين متزامنين . تمثل الأول في تعديل الدستور الصادر في 27 أبريل 1963 والذي ألغى النظام الاتحادي بين ولايات طرابلس وبرقة وفزان وأستبدله بنظام الدولة الموحدة مما أدى إلى إلغاء الحكومات والمجالس التشريعية الولائية وتوحيد مؤسسات الدولة .
أما المسار الثاني فتمثل في إصدار قرار مجلس الوزراء رقم (13) لسنة 1963 بشأن التنظيم الإداري للمملكة الليبية الذي قسّم البلاد إلى عشر محافظات هي : طرابلس ▪︎ وبنغازي ▪︎ وسبها ▪︎ والزاوية ▪︎ ودرنة ▪︎ والجبل الغربي (غريان) ▪︎ والجبل الأخضر (البيضاء) ▪︎ ومصراتة ▪︎ وأوباري ▪︎ والخمس ▪︎ ثم أعقب ذلك صدور المراسيم الملكية الخاصة بتعيين المحافظين لإدارة هذه المحافظات .
وتؤكد هذه التجربة أن الدولة الليبية الموحدة أستطاعت آنذاك أن تجمع بين وحدة القرار السياسي واللامركزية الإدارية حيث أحتفظت الحكومة المركزية بالاختصاصات السيادية في حين تولت المحافظات إدارة شؤون التنمية والخدمات والإدارة المحلية .
واليوم وبعد مرور أكثر من ستة عقود تبدو ليبيا في حاجة إلى إعادة تقييم هذه التجربة بروح عصرية بما يتلاءم مع متطلبات الدولة الحديثة . فاللامركزية الإدارية لا تعني تقسيم البلاد وإنما تعني توزيع الصلاحيات بما يحقق سرعة الإنجاز ويرفع كفاءة الخدمات ويقرب القرار من المواطن مع بقاء الدولة موحدة تحت سلطة مركزية واحدة .
إن منح المحافظات صلاحيات تنفيذية وميزانيات واضحة مع إخضاعها لرقابة الحكومة المركزية والأجهزة الرقابية يمكن أن يسهم في تقليص البيروقراطية وتحقيق عدالة أكبر في توزيع المشاريع والاستفادة من الإمكانات الاقتصادية التي تتميز بها كل منطقة .
وفي المقابل فإن نجاح هذا النموذج يتطلب توافقًا سياسيًا واسعًا وإطارًا دستوريًا وقانونيًا واضحًا يحدد العلاقة بين الحكومة المركزية والمحافظات ويضمن عدم تحول اللامركزية إلى مدخل لتنازع الصلاحيات أو الانقسام .
وفي هذا السياق تبدو الحاجة ملحة إلى أن تنفتح المبادرات الدولية الرامية إلى دعم الاستقرار في ليبيا ومن بينها المبادرة الأمريكية على مختلف الرؤى الوطنية المطروحة . ومن بين هذه الرؤى إعادة دراسة نظام المحافظات باعتباره نموذجًا للإدارة المحلية يعزز كفاءة الدولة ويحافظ على وحدتها غير أن أي توجه من هذا النوع ينبغي أن يكون منطلقه توافق الليبيين أنفسهم وأن ينسجم مع إرادتهم الوطنية لأن أي حل مستدام لا يمكن أن ينجح ما لم يحظَ بقبول داخلي واسع .
إن ليبيا لا تحتاج اليوم إلى المزيد من الانقسامات بل إلى مؤسسات قوية وإدارة حديثة وتنمية متوازنة وعدالة في توزيع الموارد كما تحتاج إلى مشروع وطني يجمع الليبيين حول دولة واحدة وسيادة واحدة ومؤسسات واحدة .
لقد أثبت التاريخ أن نظام المحافظات كان جزءًا من مرحلة بناء الدولة الليبية الموحدة ومن ثم فإن إعادة دراسته ليست دعوة للعودة إلى الماضي بل دعوة للاستفادة من تجربة وطنية يمكن تطويرها بما يتناسب مع تحديات الحاضر ومتطلبات المستقبل . فبناء ليبيا الجديدة يبدأ من بناء إدارة كفؤة قادرة على خدمة المواطن وحماية وحدة الوطن وترسيخ أسس الأستقرار والتنمية .