(منال قويبع)
من القمم الثلجية لمرتفعات الأطلس إلى تخوم الصحراء، مرورا بشواطئ واجهتيه البحريتين، يزخر المغرب بتراث طبيعي غني ومتنوع، يشكل ملتقى حقيقيا للتنوع البيولوجي بين إفريقيا وأوروبا.
وفضلا عن الجمال الفريد للمناظر الطبيعية، ترتسم في زوايا المملكة الأربع فسيفساء بيولوجية حقيقية، تمزج بين أنواع حيوانية مميزة وغطاء نباتي مستوطن نادر للغاية.
وفي واقع الأمر، يتميز التنوع البيولوجي المغربي بنظم إيكولوجية متنوعة، سواء كانت غابوية، أو صحراوية، أو زراعية، أو ساحلية، دون إغفال غنى المناطق الرطبة والأوساط الجوفية؛ وهو موروث طبيعي يستحق الإبراز في وقت يحتفل فيه العالم باليوم العالمي للأحياء البرية، الذي يصادف الثالث من مارس من كل سنة.
وحسب أرقام وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، يتكون الوحيش المغربي من حوالي 25 ألف نوع محدد، 11 في المائة منها مستوطنة، وتضم 113 نوعا من الثدييات، و317 من الطيور، و98 من الزواحف، و11 من البرمائيات، و1189 من الأسماك، و17 ألفا و893 من اللافقاريات.
كما تأوي الأوساط الطبيعية المغربية أنواعا مميزة ومهددة أحيانا، من قبيل “فقمة الراهب المتوسطية”، ونسر “الرخمة”، وكذا قرد “المكاك البربري”.
أما بخصوص الغطاء النباتي المغربي، فيضم حوالي 7 آلاف نوع معروف، يتركز بشكل خاص في المجالات الغابوية، وتعتبر المناطق الجبلية في الريف والأطلس أهم المجالات من حيث الاستيطان النباتي.
ومع ذلك، وعلى غرار العديد من البلدان، يواجه هذا التراث الطبيعي ضغوطا متزايدة، تشمل التوسع الحضري، واجتثاث الغابات، والرعي الجائر، والزراعة المكثفة، والاستغلال غير المشروع للموارد الطبيعية، فضلا عن التغيرات المناخية التي تشكل تهديدات حقيقية لتوازن النظم الإيكولوجية.
ولمواجهة هذه التحديات، اختار المغرب ملاءمة استراتيجياته مع المعايير الدولية في ما يتعلق بصون هذا الموروث الطبيعي، لا سيما بفضل المصادقة على اتفاقية التنوع البيولوجي (CDB)، وكذا اتفاقية التجارة الدولية في أنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض (CITES).
وتستند المملكة أيضا إلى ترسانة قانونية ومؤسساتية قوية، لا سيما اﻟﻘﺎﻧون رﻗم 29.05 المتعلق بحماية أنواع النباتات والحيوانات المتوحشة ومراقبة الاتجار فيها، والذي يؤطر التجارة وحيازة الأصناف المحمية.
وفي الميدان، تنفذ بانتظام عمليات لمراقبة وتفكيك الشبكات المتورطة في الاتجار بالأحياء البرية من طرف الوكالة الوطنية للمياه والغابات، في حين يشكل إرساء شبكة وطنية للمناطق المحمية رافعة أساسية للحماية.
ويحصي المخطط التوجيهي للمناطق المحمية، الذي وضع سنة 1996، نحو 154 موقعا ذات أهمية بيولوجية وإيكولوجية تغطي حوالي 2.5 مليون هكتار، بالإضافة إلى عشرة منتزهات وطنية، وهي: توبقال، وتازكة، وسوس-ماسة، وإيريكي، والحسيمة، وتلاسمطان، وإفران، والأطلس الكبير الشرقي، واخنيفيس، وخنيفرة.
كما يضم المغرب أربع محميات للمحيط الحيوي، وهي: محمية المحيط الحيوي لأركان (سوس-ماسة)، ومحمية المحيط الحيوي لأرز الأطلس والريف، ومحمية واحات الجنوب، وكذا محمية المحيط الحيوي العابرة للقارات في البحر الأبيض المتوسط.
وفيما يتعلق بالمناطق الرطبة، تم إدراج عدة مواقع في قائمة “رامسار” منذ عام 1980، لا سيما محمية المرجة الزرقاء، ومحمية سيدي بوغابة، وبحيرة اخنيفيس، وبحيرة أكلمام أفنورير، وانضم إليها منذ ذلك الحين 26 موقعا مصنفا آخر.
وإلى جانب تدابير الصون هذه، يحرص المغرب على تكثيف برامجه لاستعادة النظم الإيكولوجية، لا سيما من خلال عمليات إعادة التشجير، ومحاربة التصحر، وإعادة تأهيل الموائل المتدهورة.
كما يتم تنفيذ إجراءات للتتبع العلمي للأنواع المهددة، ومكافحة القنص الجائر، وتحسيس المجتمعات المحلية لدعم تدبير أكثر استدامة للموارد الطبيعية.
وفي إطار التوفيق بين حماية الحياة البرية والتنمية السوسيو-اقتصادية، يعمل المغرب أيضا على تعزيز الأنشطة المدرة للدخل داخل المناطق المحمية، حيث تفرض السياحة الإيكولوجية نفسها كرافعة متميزة لتثمين مستدام، محولة الغنى البيولوجي الوطني إلى محرك حقيقي للنمو لفائدة الساكنة المحلية.
ومن خلال وضع حماية النظم الإيكولوجية في قلب سياساته العمومية، يكرس المغرب على المدى الطويل التزامه لفائدة التنوع البيولوجي. فبعيدا عن كونه ضرورة إيكولوجية، يفرض صون هذا التراث الطبيعي وتثمينه نفسه كعامل للازدهار المشترك، والإدماج الاجتماعي، ورفاهية الأجيال الحالية والمقبلة.