ضربة قاسية لقطاع “الكول سانتر” في المغرب: آلاف مناصب الشغل مهددة بدءاً من 2026

بعد تصويت نهائي في مجلس الشيوخ الفرنسي يوم 21 ماي 2025، صادق البرلمان الفرنسي على قانون يمنع المكالمات الهاتفية التسويقية غير المرغوب فيها، ابتداءً من غشت 2026. ورغم أن القرار لاقى ترحيباً واسعاً لدى المستهلكين في فرنسا، إلا أنه أثار موجة قلق حادة في المغرب، حيث يُعتبر هذا النوع من المكالمات أحد الأعمدة الأساسية لقطاع مراكز النداء، الذي يُشغّل أكثر من 90 ألف مغربي موزعين على قرابة 800 مركز اتصال، أغلبها موجه نحو السوق الفرنسية.

 

يقول يوسف شرايبي، رئيس الفيدرالية المغربية لتعهيد الخدمات (FMES)، إن المكالمات التسويقية تمثل ما يصل إلى 60 في المئة من رقم المعاملات لدى عدد كبير من الشركات، وهو ما يجعل القرار الفرنسي بمثابة زلزال حقيقي يهدد توازنات اقتصادية واجتماعية في المغرب. فالمراكز المغربية التي تعتمد على السوق الفرنسي تواجه الآن خطر خسارة مئات الملايين من الدراهم، إضافة إلى إمكانية تسريح آلاف العاملين، في وقت يعيش فيه الشباب المغربي ضغطاً اجتماعياً متزايداً بسبب البطالة وتراجع فرص الشغل المستقرة.

 

القانون الجديد يمنع بشكل نهائي أي مكالمة ترويجية ما لم يُعطِ الزبون الفرنسي موافقة صريحة مسبقة، مما يُنهي عملياً ما يُعرف بأسلوب “النداء البارد”، والذي شكل لسنوات طويلة الوسيلة الأكثر استخداماً من طرف مراكز الاتصال لجذب الزبائن. هذا التوجه الجديد يعكس سياسة فرنسية صارمة تجاه حماية الحياة الشخصية للمستهلك، لكنه في المقابل يعرض النموذج الاقتصادي المعتمد في المغرب إلى هزات عميقة.

 

في ظل هذا الواقع، يطرح المهنيون تساؤلات ملحة حول قدرة المغرب على التحول السريع نحو أنشطة ذات قيمة مضافة أعلى، كخدمة الزبائن، الدعم التقني، التعهيد الرقمي، أو حتى الخدمات المتعددة اللغات الموجهة لأسواق أوروبية أخرى أو لأمريكا الشمالية. يوسف شرايبي يرى في الأزمة فرصة لإعادة التموقع ويؤكد أن المغرب يتوفر على كفاءات بشرية عالية، وبنية تحتية قوية، وعلاقة ثقافية ولغوية وطيدة مع أوروبا، ما يمكنه من إعادة بناء عرضه بشكل أكثر استدامة.

 

كما طالب بضرورة تدخل الحكومة عبر برامج دعم وإعادة تأهيل، وتشجيع الاستثمار في قطاعات تكنولوجية وخدماتية بديلة، خاصة أن فاعلين كباراً في القطاع، مثل Intelcia وWebhelp وMajorel، بدأوا بالفعل في تنويع خدماتهم نحو الذكاء الاصطناعي والتعهيد البنكي والطبي.

 

القرار الفرنسي، وإن بدا قانوناً محلياً بسيطاً، يُمثل رسالة إنذار للمغرب: الاستمرار في الاعتماد على سوق واحدة ونشاط محدود بات مخاطرة كبيرة. إما التنويع والتحديث، أو مواجهة تبعات اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة تهدد قطاعاً كان يُعد حتى الأمس القريب من قصص النجاح المغربية في مجال التشغيل والتصدير.

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد