تصريحات محمد أوجار: قراءة في موقف التجمع الوطني للأحرار بعد مغادرته الأغلبية

أثار عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، محمد أوجار،  خلال برنامج نقطة إلى السطر،جدلا سياسيا بعد اتهامه حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال بـ«الخيانة السياسية»، ودفاعه عن رئيس الحكومة السابق عزيز أخنوش، وتوقعه أن يندم المغاربة على رحيل حكومته. وتعكس التصريحات موقفا دفاعيا لحزب وجد نفسه خارج الأغلبية الحكومية الجديدة، لكنها تفتح أيضا أسئلة حول طبيعة التحالفات الحزبية وحدود التنافس داخلها.

جوهر الاتهام

اتهم أوجار حزبي البام والاستقلال بأنهما تخلى عن الدفاع عن الحصيلة الحكومية المشتركة خلال الحملة الانتخابية، وانتقلا إلى مهاجمتها، وهو ما وصفه بأنه خيانة سياسية وغياب للباقة في تدبير الاختلاف. ويستند هذا الطرح إلى منطق أن الأحزاب التي شاركت في الحكومة لخمس سنوات يفترض أن تتحمل مسؤولية جماعية عن نتائجها، سواء الإيجابية أو السلبية.

غير أن هذا التقييم يبقى، من زاوية محايدة، اجتهادا سياسيا لا حقيقة موضوعية بذاتها. فالتنافس الانتخابي بين شركاء حكوميين أمر معتاد في الأنظمة التعددية، وقد يختار كل حزب تمييز نفسه عن شركائه أمام الناخب، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمنافسة على رئاسة الحكومة. والخلاف هنا يتعلق بالأسلوب والحدود الأخلاقية للتنافس أكثر مما يتعلق بمبدأ المعارضة بين الشركاء ذاتهم.

الدفاع عن أخنوش

جاءت تصريحات أوجار حول عزيز أخنوش أكثر حدة، إذ قال إن رئيس الحكومة السابق تعرض لـ«شيطنة سياسية»، وأن جهات سياسية وإعلامية ومدنية حوّلته إلى المسؤول عن كل مشاكل المغرب منذ الاستقلال. كما توقع أن ينصفه التاريخ، وأن يندم الناس على حكومته بعد أشهر من ممارسة حكومة فاطمة الزهراء المنصوري.

من منظور محايد، يعكس هذا الكلام محاولة لإعادة تأطير صورة أخنوش، الذي ارتبطت حكومته بملف حساس يتعلق بجمع الثروة والنفوذ الاقتصادي، وهو ما جعله هدفا متكررا للنقد السياسي والاجتماعي. وفي المقابل، فإن حكم «الاحتيال السياسي» أو التوقع بندم الناس على الحكومة السابقة يبقى توقعا سياسيا لا يمكن التحقق منه سوى بالوقت وبالأداء الفعلي للحكومة الجديدة، لا بالشعارات أو التصريحات.

موقع التجمع في المعارضة

أوضح أوجار أن تموقع التجمع الوطني للأحرار في المعارضة لم يكن اختيارا مبدئيا، بل نتيجة لعدم رغبة رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري في إشراك الحزب في تركيبتها. ويؤكد أن الحزب أعلن بعد نتائج انتخابات 23 شتنبر استعداده للمشاركة في الحكومة، انطلاقا من علاقاته مع شركائه السابقين وقناعته بإيجابية الحصيلة الحكومية رغم نواقصها.

هذا التوضيح مهم لفهم الموقف: فالتجمع يقدم نفسه كحزب مستعد للمسؤولية الحكومية، لا كحزب اختار المعارضة مبدئيا. لكن القرار النهائي بتركيبة الحكومة يعود، دستوريا وسياسيا، إلى رئيسة الحكومة المكلفة بتشكيلها، وهي تملك حرية اختيار شركائها وفق موازين القوة البرلمانية والسياسية. وبذلك يمكن قراءة خروج التجمع من الحكومة كنتيجة طبيعية لمفاوضات التشكيل، وليس بالضرورة كسابقة استثنائية أو انتهاكا للأخلاق السياسية.

ما بين الوفاء والتنافس

الإشكال الأعمق في تصريحات أوجار يتمثل في التوتر بين مبدأ «الوفاء السياسي» بين شركاء الحكومة، ومبدأ «التنافس الديمقراطي» الذي يسمح لكل حزب بالسعي لقيادة الحكومة. فمن جهة، يمكن فهم غضب التجمع من تحول شركائه إلى منتقدين لحصيلة حكومية شاركوا في صناعتها. ومن جهة أخرى، لا يلزم قانونيا أو ديمقراطيا أن يظل الشركاء متحالفين بعد انتخابات أعادت توزيع الأوزان، خصوصا إذا تغيرت موازين القوة أو ظهرت خلافات حول البرنامج والأولويات.

كما أن وصف التنافس بأنه وصل إلى «مستوى منحط» يفتح نقاشا مشروعا حول جودة الخطاب السياسي في المغرب، لكنه لا يلغي حق الأحزاب في النقد الحاد، ما دام هذا النقد يبقى ضمن حدود القانون والاحترام وعدم التحريض.

قراءة متوازنة

يمكن تلخيص موقف أوجار في ثلاث نقاط: الدفاع عن إرث حكومة أخنوش، والاتهام المباشر لشريكين سابقين بتغيير مواقفهم، وتبرير وجود الحزب في المعارضة بقرار من رئيسة الحكومة الجديدة. أما القراءة المحايدة فتذهب إلى أن الأمر يعكس صراعا طبيعيا على السلطة بعد انتخابات غيّرت الترتيبات، تتقاطع فيه حسابات الحلفاء القدامى مع حاجة كل حزب إلى بناء هوية مستقلة أمام الناخب.

وسيبقى تقييم هذه التصريحات مرهونا بما سيحدث لاحقا: إن نجحت حكومة المنصوري في تحقيق نتائج ملموسة، ضعفت فرضية «الندم على الحكومة السابقة»؛ وإذا واجهت صعوبات كبيرة، قد يجد خطاب أوجار صدى أوسع. وفي الحالتين، يظل التحدي الأساسي هو انتقال النقاش من الاتهامات الشخصية إلى تقييم السياسات والبرامج والحصيلة، وهو المعيار الأقدر على الحسم أمام الرأي العام.

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد