الحجاوي وجبرندو… رضاعة التضليل: الأول يُملي والثاني يردّد

قراءة ساخرة في كاريكاتير يجعل من زجاجة الرضاعة استعارةً للتلقين والتبعية، لا تقريراً لوقائع مثبتة عن الشخصين.

في السياسة والإعلام، يُفترض أن تكبر الأفكار بالنقاش، وأن تنضج الآراء بالتحقق. أما في المشهد الذي ترسمه هذه الريشة الساخرة، فالطريق أقصر بكثير: رجل على كرسي فخم، وشخص آخر في هيئة رضيع، وزجاجة ضخمة تختصر المسافة بين مَن يقدّم الرواية ومَن يتلقّاها. لا طاولة تحرير، ولا وثائق، ولا سؤال مزعج من قبيل: «وما المصدر؟». الزجاجة وحدها تتكفّل بالباقي.

وجبة كاملة… ينقصها الدليل

داخل هذا العالم الكاريكاتيري، يمكن تخيّل وصفة خاصة تُحضَّر بعيداً عن إزعاج الوقائع: مقدار من الغضب، وجرعة من اليقين، ورشّة من الخرافة، ثم تحريك جيد حتى تختفي الفروق بين الخبر والإشاعة، وبين النقد وتصفية الحساب.

أما التناقض فلا يفسد الوصفة؛ إنه يمنحها، وفق منطقها الساخر، مرونة استثنائية. رواية تصلح للصباح، ونقيضها جاهز للمساء. وإذا سأل أحدهم عن سبب التبدّل، جاءه الجواب مطمئناً: المشكلة ليست في المحتوى، بل في ذاكرتك التي تصرّ على الاحتفاظ بالحلقة السابقة.

وفي هذا المطبخ المتخيَّل، لا يحتاج الادعاء إلى دليل بقدر ما يحتاج إلى نبرة حاسمة. يكفي أن ترتفع الحواجب، وأن يتجه الإصبع إلى الكاميرا، حتى يصبح الاحتمال حقيقة، والشك مؤامرة، والاعتراض دليلاً إضافياً على صحة الكلام!

الأول يُملي… والثاني لا يضيّع الوقت في السؤال

توزّع الصورة الأدوار بصرياً بين مَن يمسك زجاجة الرضاعة ومَن يتلقّاها؛ ومن هنا تستمد فكرة التلقين والتبعية قوتها الساخرة. فالرسام لا يعرض حواراً بين طرفين، بل يبني مشهداً غير متكافئ، تختصر فيه الرضاعة علاقةً يغيب عنها استقلال المتلقّي.

ولو منحنا هذا المشهد حواراً متخيّلاً، لكان بالغ الاختصار:

— هل تحقّقت من المعلومة؟

— لا، لكنني حفظت طريقة نطقها.

— وماذا عن الرواية التي قلتها أمس؟

— انتهت صلاحيتها مع صدور التعليمات الجديدة.

هنا تكمن المفارقة: حين يصبح الترديد بديلاً عن التفكير، لا يعود المطلوب إقناع الجمهور بحجة، بل إبقاؤه داخل انفعال دائم. المهم أن يغضب قبل أن يسأل، وأن يشارك قبل أن يقرأ، وأن يختار خصمه قبل أن يعرف موضوع الخلاف.

حين تصبح الضغينة خطاً تحريرياً

في المنطق الذي يهجوه هذا النص، لا تُقاس قيمة الخبر بما يكشفه، بل بما يتيحه من هجوم. فإن وافقت الوقائع الرواية، أُعلن الانتصار؛ وإن خالفتها، اتُّهمت الوقائع بسوء النية.

وهكذا تتحول المراجعة إلى خيانة، والتصحيح إلى تراجع مذلّ، والاعتراف بالخطأ إلى كارثة تستوجب اجتماعاً طارئاً. وحده الجمهور يُطلب منه أن يتحلّى بمرونة خارقة: يصدّق اليوم، وينسى غداً، ثم يعود بعد غد ليصفّق للرواية المعدَّلة.

إنها نشرة أخبار متخيَّلة لا تبحث عن جديد العالم، بل عن طريقة جديدة للغضب من العالم نفسه.

الفطام يبدأ بسؤال

قوة الكاريكاتير أنه يحوّل فكرة مجردة إلى صورة حادة: التبعية لا تظهر هنا في وثيقة أو خطاب، بل في هيئة رضاعة؛ علاقة يكون فيها أحد الطرفين مصدراً، والآخر متلقّياً، فيما تنساب الفوضى البصرية من الزجاجة إلى الثياب والأرض.

لكن الرد الأبلغ على المنطق الذي تسخر منه الصورة لا يحتاج إلى زجاجة مضادة، ولا إلى صراخ أعلى. يحتاج إلى سؤال بسيط يفسد الوصفة كلها: «أين الدليل؟».

ذلك هو السؤال الذي لا يصلح للرضاعة؛ لأنه، ببساطة، يتطلّب الفطام.

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد