رئاسيات البرازيل: لولا.. السياسي الذي يأبى الأفول

–بقلم وهيبة الرابحي–  (ومع)

بفوزه بولاية رئاسية رابعة على رأس البرازيل، يوم الأحد، جسد الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا شعاره المأثور “صاحب القضية لا يشيخ”، الذي لخص به، قبل أسابيع قليلة، جذوة الحماس التي لا تزال تتقد في نفسه.

“قضيتي هي الديمقراطية. هي الحرية. هي ضمان احترام الجميع”؛ هذا هو المبدأ الذي لم يتوقف زعيم اليسار عن ترديده. واليوم، وهو على أعتاب الاحتفال بعيد ميلاده الحادي والثمانين يوم الثلاثاء، يحرص لولا عبر حساباته على منصات التواصل الاجتماعي، التي يتابعها الملايين، على نشر مقاطع مصورة يظهر فيها وهو يمارس التمارين الرياضية ويستعرض حيويته.

وبعد اثنتي عشرة سنة أمضاها في السلطة موزعة على ثلاث ولايات، تمكن لولا من الفوز بما وصفه بنفسه بأنه “المعركة الأخيرة” في مسيرته السياسية الحافلة. وفي مواجهته، كان فلافيو بولسونارو، البالغ من العمر 45 عاما، والذي حظي بدعم والده، الرئيس السابق جايير بولسونارو، قد تقدم عليه في الجولة الأولى، غير أن السباق الانتخابي، الذي اتسم بتنافس محتدم حتى اللحظات الأخيرة، انتهى بميل كفة صناديق الاقتراع لصالح عامل التجربة.

وخلال تجمع انتخابي في سلفادور دي باهيا، القلب النابض للهوية الأفرو-برازيلية، بداية شهر أكتوبر، رد مرشح حزب العمال على الانتقادات المرتبطة بتقدم سنه بنبرة ساخرة، حيث ظهر رفقة زوجته “جانجا”، مؤكدا أنه يتمتع اليوم “بجاهزية بدنية أفضل بكثير مما كان عليه في سن السابعة والخمسين”، حين بدأ ولايته الرئاسية الأولى، وها هو التاريخ يثبت صحة كلامه هذا المساء.

ومنذ أكثر من عقدين، ارتبط اسم لولا بأبرز التحولات التي شهدتها البرازيل الحديثة؛ من نقابي عمالي في ظل الدكتاتورية العسكرية، وأحد مؤسسي حزب العمال، مرورا بولايتين رئاسيتين، ثم تجربة السجن، وصولا إلى عودته إلى الحكم في سن يختار فيها معظم القادة الاعتزال. من رحم الطبقة العمالية إلى رحاب قصر بلانالتو الرئاسي.

لم يكن ثمة ما ينبئ بأن الطفل الذي ولد سنة 1945 في أسرة فقيرة بولاية بيرنامبوكو، في شمال شرق البرازيل، سيشق طريقه يوما إلى قصر الرئاسة. فقد غادر لولا، السابع بين ثمانية أشقاء، موطنه في سن مبكرة هربا من الفقر والجوع، على متن شاحنة “باو دي أرارا” التقليدية، متوجها إلى الجنوب الصناعي بحثا عن حياة أفضل.

وهناك، بدأ يشق طريقه بنفسه، فالتحق بالعمل في أحد المصانع منذ مراهقته، قبل أن يتعرض لحادث شغل فقد فيه خنصر يده اليسرى، لتتحول هذه الإصابة إلى إحدى السمات المرتبطة بصورته العمالية.

وفي سبعينيات القرن الماضي، وتحت وطأة الدكتاتورية العسكرية، برز لولا كأحد أبرز قادة الحركة النقابية، حيث قاد إضرابات كبرى لعمال الصناعات المعدنية متحديا النظام الحاكم. وفي سنة 1980، شارك في تأسيس حزب العمال، الذي تحول لاحقا إلى إحدى أبرز قوى اليسار في البرازيل.

غير أن الطريق إلى الرئاسة لم يكن مفروشا بالنجاحات. فقد مني بثلاث هزائم متتالية في الانتخابات الرئاسية، قبل أن يحقق هدفه أخيرا سنة 2002. وتزامنت ولايتاه الأوليان، بين 2003 و2010، مع العصر الذهبي للمواد الأولية، ما أتاح لحكومته إطلاق برامج اجتماعية واسعة، في مقدمتها برنامج “بولسا فاميليا”، الذي ساهم في انتشال نحو 30 مليون برازيلي من الفقر.

وبفوزه على معسكر بولسونارو، يؤكد لولا أن أي زعيم سياسي لم يترك، منذ عودة البرازيل إلى الديمقراطية عام 1985، بصمة بهذه الدرجة من الرسوخ والاستمرارية في تاريخ البلاد.

لولا دا سيلفا.. الاعتزال المستحيل

غير أن مسيرة لولا لم تخل من المنعطفات الصعبة. فقد تلقت صورته ضربة قوية على خلفية فضيحة “لافا جاتو”، التي أمضى بسببها 580 يوما خلف القضبان بين عامي 2018 و2019، قبل أن تسقط المحكمة العليا إدانته سنة 2021 وتعيد إليه حقوقه السياسية. وفي نهاية عام 2022، وبعد مواجهة انتخابية محتدمة مع جايير بولسونارو، استعاد لولا رئاسة البرازيل بفارق ضئيل، وهو في السابعة والسبعين من عمره.

ومع ذلك، لم يكن لولا يتمتع بالبريق نفسه الذي رافق صعوده في مطلع القرن خلال حملته الانتخابية لسنة 2026. فرغم أن البطالة تقترب من أدنى مستوياتها التاريخية، والتضخم بات أكثر اعتدالا، ومعدلات إزالة غابات الأمازون في تراجع واضح، غير أن ولايته الثالثة، التي تقترب من نهايتها، بدت في أحيان كثيرة وكأنها محاولة لاستعادة بعض مقومات النجاح التي طبعت ولايتيه الأوليين.

وعلى الصعيد الدولي، سعى الرئيس البرازيلي إلى إعادة بلاده إلى واجهة المشهد الدولي، ورفع صوت “الجنوب العالمي”، من خلال الدفع نحو توسيع مجموعة “بريكس”، وتعزيز العلاقات مع بكين، ورئاسة مجموعة العشرين.

وبعيدا عن معركة صناديق الاقتراع، يخوض لولا أيضا مواجهة صامتة مع تبعات التقدم في العمر. ففي أواخر عام 2024، أدى سقوطه في منزله إلى نزيف دماغي استلزم عمليتين جراحيتين بعد أن تغلب في الماضي على سرطان الحنجرة.

وخلال الفترة الفاصلة بين دورتي الانتخابات الرئاسية، اعتلى لولا المنصات وخاطب الحشود بحماسة فالرجل الذي طالما عزف عن استخدام الهاتف المحمول، بات اليوم يصف نفسه، في مفارقة لا تخلو من السخرية، بأنه “ملك صور السيلفي”.

وفي ريو دي جانيرو، كان يحث الناخبين الذين تجاوزوا السبعين، ولم يعد التصويت إلزاميا بالنسبة إليهم، على التوجه إلى صناديق الاقتراع، قائلا: “إذا كنت أنا، في الثمانين من عمري، أقف هنا وأقفز على المنصة وأترشح للانتخابات، فلماذا يقول رجل في السبعين من عمره إنه لا يحتاج إلى الذهاب للتصويت؟ هل تخليت عن الحياة؟ انهض واذهب للتصويت”. لقد استجاب الشعب البرازيلي لندائه، مانحا “الأسد المسن” خاتمة لأعظم أسطورة سياسية في حياته.

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد