كتاب وأدباء يقاربون بالرباط جدلية الحكاية واللغة في الرواية

قارب كتاب وأدباء، اليوم الاثنين بالرباط، جدلية الحكاية واللغة في الرواية، وذلك خلال ندوة أدبية نظمتها منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، بمناسبة أسبوع الرواية العالمي.

وتناول المشاركون في هذه الندوة التي تحمل عنوان “شعرية الرواية: جدلية الحكاية واللغة” أهمية الرواية في العصر الراهن، ولا سيما في ظل التطور المتسارع للوسائط الرقمية الجديدة، وما يطرحه ذلك من أسئلة حول جماليات السرد الروائي، والآليات الكفيلة ببناء جسور التواصل بين الروائيين والتلاميذ والطلبة والباحثين.

وأكد الأكاديمي والكاتب والناقد السعودي، عبد الله الغذامي، على أهمية إعادة الاعتبار لفن الحكاية باعتباره أدبا سرديا عربيا أصيلا ومكثفا، مبرزا أسبقيته في تقديم رؤى تخييلية استبقت العديد من المبتكرات العلمية الحديثة، من قبيل ما حملته نصوص “ألف ليلة وليلة” من أساطير وتصورات استبقت اختراع الطائرات والسيارات.

وأوضح الغذامي في كلمة بثت عبر تقنية الفيديو، أن هذا الفن العربي المهمل يعتمد على تكثيف الجملة والسرد القصصي الفريد من نوعه، مشيرا في مقارنة بين الخيال الأدبي والإبداع العلمي إلى أن العقل البشري يفرز الخيال بشقيه الأدبي والعلمي لتأثيث الواقع وتطويره، من خلال استعراض تجربة ليوناردو دافنشي وتصاميمه التخيلية المقاربة لفكرة الغواصات.

من جانبه، قدم الناقد والباحث المغربي، سعيد يقطين، تصوره للحد الفاصل بين جمالية الكتابة وأهمية الموضوع، معتبرا أن الجمالية ركن أساسي في الإبداع الفكري والأدبي، ومدخلا رئيسيا لتطوير الوعي الإنساني ومواجهة التحديات الثقافية المعاصرة.

وأكد يقطين في مداخلته أن استعادة الجماليات في الفنون والخطابات واللغة تشكل إحدى الآليات الكفيلة بـ “الوقوف في وجه مظاهر القبح التي تغلف العالم اليوم”، مؤكدا أن الجمالية في العمل الروائي تتجسد في الخطاب والقصة معا، وتتخذ من اللغة رافعة أساسية لتحقيق متعة القراءة وخدمة قضايا الإنسان.

وفي ما يتعلق بمدى نجاح الرواية في تحديث نفسها من الداخل، أكد الباحث والكاتب التونسي، حاتم بن الفطناسي، أن “التجريب” و”التعتيق اللغوي والشكلي” يشكلان أهم الآليات الكفيلة بتطوير الإبداع الروائي وبناء الحداثة الأدبية، معتبرا أن هذين المفهومين يشكلان ركيزتين أساسيتين لتواصل الإبداع ونموه، على مستوى السرد والشعر، وكذا في شتى المجالات الثقافية والجمالية كالخط والموسيقى.

وأبرز الفطناسي أن “التجريب” يمثل الآلية التحفيزية الأساسية التي تبنى عليها الحداثة القائمة على الحركة الدائمة، مسجلا أن توقف المبدع عند أطر نمطية يقتل روح الإبداع ويدفعه إلى الوقوع إما في “النسخ” أو “المسخ”، وهو ما يتنافى مع الغاية الإبداعية.

أما الروائية والناقدة والأكاديمية المغربية، زهور كرام، فتوقفت عند أهمية إعادة صياغة المفاهيم في الإبداع، معتبرة أن الرواية العربية تشهد “تحولا عميقا في مسارها الإبداعي، جراء التغيرات التي تمس الشرط الوجودي للإنسان في ظل هيمنة الثقافة الرقمية والبيئة الافتراضية”.

وأضافت كرام أن “إقامة الإنسان المعاصر في البيئة الافتراضية وخضوعه لتأثير المؤسسات التكنولوجية العملاقة أضحى يوجه الإدراكات الإنسانية ويؤثر بشكل مباشر على سعة الخيال ووضعية التأويل والتأمل، وهي عناصر تشكل صلب الشواغل الإبداعية للتعبير الروائي”، لافتة إلى أن “هذا الواقع الجديد أفرز نسقا أثر على بناء الجملة السردية وطبيعة اللغة وتلقي النص، من خلال ظهور أشكال روائية تعتمد لغة موازية لـ “التغريدة” التي تسعى إلى التأثير السريع بدلا من الحوار التقليدي، مما يضع الرواية أمام أسئلة كبرى حول الكينونة ومتغيرات الخطاب السردي في السياق العربي”.

وفي سياق متصل، أبرز المدير العام للإيسيسكو، سالم بن محمد المالك، أن الرواية، باعتبارها فنا سرديا، ظلت حاضرة بفعالية في معالجة قضايا البشر والإشارة إلى مواضع الخلل واستنطاق المسكوت عنه، مؤكدا أنها تتجاوز نطاق نقل الأخبار والتغطيات الإعلامية لتنفذ إلى عمق حياة الناس والتفاصيل الدقيقة للتجارب الإنسانية، ممثلة جسرا للتواصل والتقارب بين الشعوب والثقافات.

وأوضح المالك، في كلمة بالمناسبة، أن اختيار موضوع الندوة يأتي لتسليط الضوء على العلاقة الخصبة بين الحكاية بوصفها ذاكرة الإنسان وتجربته، واللغة باعتبارها الوعاء الرمزي والجمالي الذي يعطي تلك التجربة شكلها الفني، داعيا إلى تأمل الصلات الوثيقة والتكامل بين مختلف الفنون والآداب في العصر الحالي.

وتم على هامش الندوة الإعلان عن الفائزين في الدورة الثانية من مسابقة “مدن القصائد، بعد أن تنافست 600 قصيدة، على المراتب الثلاث الأولى للمسابقة، والجوائز التقديرية السبع المقدمة من طرف “إيسيسكو”.

كما أعطى رئيس لجنة تحكيم المسابقة، والمشرف العام على مركز الشعر والأدب بالمنظمة، السفير خالد فتح الرحمن، انطلاقة الدورة الثالثة من المسابقة عن مدينة قازان.

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد