جاء الخطاب الملكي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى أعضاء البرلمان، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، ليؤكد أن الاعتزاز بالهوية المغربية ليس استدعاء للماضي أو التباهي بالإنجازات، بل دعوة إلى تحويل الانتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني في خدمة مستقبل المملكة.
وأكد جلالة الملك أن من حق المغاربة أن يعتزوا بهويتهم الدينية الأصيلة في ظل إمارة المؤمنين، وبالهوية الحضارية المتميزة الغنية بتعدد مكوناتها وروافدها. وبهذا التأكيد، يضع الخطاب الهوية الوطنية في قلب المشروع التنموي، بوصفها أساسا للتماسك الاجتماعي والانتماء المشترك.
كما استحضر الخطاب عراقة المغرب كأمة من أعرق الأمم، تحت راية ملكية عريقة تعد من أقدم الملكيات في التاريخ. وهذه العراقة ليست مجرد إشارة تاريخية، بل تجسد استمرارية مؤسسة عريقة رافقت مسار بناء الدولة المغربية، وضمنت استقرارها ووحدتها عبر مراحل متعاقبة.
ويحضر البعد الديني في الخطاب الملكي بوصفه جزءا أصيلا من الهوية المغربية، وليس منفصلا عن الحياة العامة أو عن مشروع التنمية. فالتمسك بالقيم الدينية للمغاربة، في ظل إمارة المؤمنين، يعزز المرجعية الروحية والأخلاقية التي تقوم عليها المجتمع المغربي.
وتؤكد هذه المقاربة أن الانفتاح على العالم والتحديث لا يعنيان التخلي عن الثوابت، بل القدرة على الجمع بين الانتماء إلى قيم أصيلة وبين الطموح إلى الحداثة والتنمية والانفتاح على المستقبل.
ولم يقتصر الخطاب على الاحتفاء بما تحقق من مكاسب سياسية ودبلوماسية وإنجازات تنموية واقتصادية واجتماعية غيرت وجه المغرب، بل انتقل إلى التطلع نحو الغد عبر إصلاح الاختلالات وإعادة توجيه الأوراش التنموية بما يلبي الاحتياجات الفعلية للمواطنين، وخاصة الشباب منهم.
وفي هذا الإطار، تبرز أولوية مواصلة الأوراش الكبرى، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، وتقليص الفوارق بين الجهات، وضمان وصول التنمية إلى جميع المناطق. كما يضع الخطاب تفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري في صلب التحول المطلوب، حتى تصبح القرارات أقرب إلى المواطن وأكثر استجابة لخصوصيات كل إقليم.
ويحمل الخطاب الملكي رسالة مزدوجة: الاعتزاز بما تحقق، والالتزام بما ينبغي إنجازه. فالإنجازات ليست نقطة وصول، بل أساس يمكن البناء عليه؛ والهوية ليست شعارا احتفاليا، بل طاقة تحرك العمل العام وتوجه السياسات نحو التنمية الشاملة والاستقرار.
وبذلك، يرسم الخطاب خارطة طريق للولاية التشريعية والحكومية الجديدتين، تقوم على ترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتعبئة الطاقات الوطنية، وجعل التنمية أداة لتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص، وترسيخ مكانة المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة.