المغرب في مؤتمر الأمم المتحدة الـ15 لمنع الجريمة بأبوظبي: نيابة عن إفريقيا ودعوة إلى تكامل أممي

انتُخب المغرب، ممثَّلاً في السفير عز الدين فرحان، نائبا لرئيس مؤتمر الأمم المتحدة الـ15 لمنع الجريمة والعدالة الجنائية باسم المجموعة الإفريقية، خلال افتتاح أشغال الدورة التي تستضيفها أبوظبي حتى 1 أكتوبر 2026 بمشاركة 119 بلداً وأكثر من 5100 مشارك. وفي كلمة المملكة، دعا الرباط إلى إطلاق “دينامية أممية” لتعزيز التكامل والتنسيق بين أجهزة الأمم المتحدة المعنية بمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود والإرهاب، معتبراً أن إعلان أبوظبي ينبغي أن يكون نقطة انطلاق لمسؤولية جماعية قابلة للترجمة إلى نتائج ملموسة.

وفد رفيع وتمثيل مؤسسي واسع

مثل المغرب وفد رفيع المستوى يترأسه السفير الممثل الدائم لدى المنظمات الدولية بفيينا، عز الدين فرحان، ويضم مسؤولين من وزارة العدل، والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ورئاسة النيابة العامة، والمديرية العامة للأمن الوطني (الشرطة القضائية)، والهيئة الوطنية للمعلومات المالية، والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، بالإضافة إلى المعهد الوطني لكتابة الضبط والمهن القانونية والقضائية والمرصد الوطني للإجرام. ويحضر المؤتمر أكثر من 40 وزير عدل و93 متحدثاً من دول ومجموعات إقليمية، ما يوفّر فضاءً لتبادل التجارب وبناء شراكات جديدة في مجالات سيادة القانون والعدالة الجنائية.

ملامح السياسة الجنائية المغربية: كرامة الإنسان، الوقاية، والإصلاح

أكد السفير فرحان أن المغرب راكم، تحت قيادة الملك محمد السادس، دينامية تشريعية ومؤسساتية جعلت من كرامة الإنسان ركناً أساسياً لسياسته الجنائية، عبر حماية الأطفال والنساء والفتيات ضحايا العنف، ومكافحة الاتجار بالبشر، ودخول قانون العقوبات البديلة حيز التنفيذ سنة 2025، بالإضافة إلى قانون المسطرة الجنائية الجديد الذي عزّز ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الضحايا والعدالة التصالحية وأنسنة تنفيذ العقوبات. وتتجلى هذه التوجهات في إصلاحات عملية مثل توسيع بدائل الحبس الاحتياطي، ورقمنة الإجراءات، وتعزيز آليات حماية الضحايا والشهود، بما يخدم سرعة النجاعة القضائية وحقوق الدفاع.

إصلاحات تشريعية ومؤسسية بارزة

قانون العقوبات البديلة (2025): أدخل عقوبات غير سالبة للحرية في الجنح التي لا تتجاوز 5 سنوات، مثل الخدمة المجتمعية، والمراقبة الإلكترونية، والغرامات اليومية، والتدابير التقييدية/العلاجية/التأهيلية، مع استثناءات محددة (أمن الدولة، الإرهاب، الفساد، غسل الأموال، الاتجار بالمخدرات والبشر…).

قانون المسطرة الجنائية (2025–2026): وسّع بدائل الاعتقال الاحتياطي، وعزّز الرقابة القضائية، وحماية الضحايا والشهود، ودمج التكنولوجيا في الإجراءات، مع ترسيخ مبادئ السرعة والكفاءة.

مشاريع بنية تحتية للعدالة: تشمل البنك الوطني للبصمات الجينية وآلية لتدبير الممتلكات المحجوزة والمصادرة، إلى جانب تحديث منظومة الأدلة الرقمية ورقمنة المسطرة.

نتائج أولية: سجّلت الإدارة العامة للسجون وإعادة الإدماج استخداماً متزايداً للعقوبات البديلة، مع نقل أكثر من ألف حكم إلى مؤسسات السجون في المرحلة الأولى، وإنشاء منصة رقمية موحّدة (SIGPA) لتتبع التنفيذ.

موقف المغرب من التحديات العابرة للحدود: من التنسيق إلى التكامل

دعا المغرب إلى الانتقال من “تعدد الآليات” إلى “تكاملها”، ومن “التنسيق الظرفي” إلى “تعاون منتظم”، عبر بناء جسور أقوى في تبادل الخبرات، وبناء القدرات، والمساعدة التقنية، والتعاون القضائي، واستشراف التهديدات الناشئة بين أطر مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب، مع الاحترام الكامل لاختصاص كل إطار. وربط الرباط بين طبيعة التهديدات المتقاطعة (جريمة منظمة، فساد، إرهاب) وضرورة فهم الروابط بينها، معتبراً أن إعلان أبوظبي يمكن أن يشكّل فرصة لإطلاق هذه الدينامية التكامليّة.

التكنولوجيا والعدالة: استفادة مسؤولة من الابتكار

أشار الوفد المغربي إلى توقيع المغرب، في أكتوبر 2025، على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة السيبرانية، وإلى جهود مستمرة لتحديث الأدلة الرقمية ورقمنة المسطرة، مع التأكيد على تحدي الاستفادة من الابتكار دون فقدان “الإنسانية”، وتعزيز الأمن دون المساس بالحقوق الأساسية. ويتقاطع هذا مع روح إعلان أبوظبي الذي دعا إلى رقمنة أنظمة العدالة وتسخير التقنيات (بما فيها الذكاء الاصطناعي) مع ضمانات الإشراف البشري، والشفافية، والإجراءات القانونية الواجبة، وحماية البيانات.

التعاون الدولي وجنوب–جنوب: أكثر من 130 اتفاقية قضائية

جعل المغرب من التعاون جنوب–جنوب خياراً استراتيجياً، وأبرم أكثر من 130 اتفاقية للتعاون القضائي مع دول مختلفة، بالإضافة إلى عدد مهم قيد التفاوض، مع تقوية المنظومة القانونية بآليات حديثة للتعاون القضائي الدولي. وأعلن السفير فرحان أن المملكة تتطلع إلى تقديم ترشيحها لاحتضان إحدى الدورات المقبلة لمؤتمر الجريمة، إسهاماً في تقريب المحفل الأممي من واقع القارة الإفريقية وأولوياتها.

برنامج “مصالحة” ومقاربة الوقاية من التطرّف

في مواجهة التطرّف العنيف، طوّر المغرب مقاربة استباقية ومتكاملة تجمع الأمن والوقاية وإعادة التأهيل والإدماج، ويجسّد برنامج “مصالحة” هذه الفلسفة بدورته العشرين وبأكثر من 436 مستفيداً منذ 2017، تأكيداً أن الأمن المستدام لا يتحقق فقط بمواجهة الخطر بل بمنع تشكّله ومعالجة جذوره.

خلاصة: دور مغربي فاعل ورسالة إفريقية

من خلال نيابته عن المجموعة الإفريقية في رئاسة المؤتمر، وطرحه الداعي إلى تكامل أممي في مواجهة الجريمة والإرهاب، وعرضه لإصلاحات تشريعية ومؤسسية متمحورة حول الكرامة والوقاية وإعادة الإدماج، يبرز المغرب كفاعل مؤسسي قادر على ربط الأجندة الجنائية بأجندة التنمية وسيادة القانون، مع الانفتاح على شراكات جنوب–جنوب وشمال–جنوب لترجمة الالتزامات إلى ممارسات قابلة للقياس.

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد