منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، عرش أسلافه الميامين، حرص المغرب على صيانة الانتظام المؤسساتي باعتباره أحد المقومات الأساسية لاستقرار الدولة واستمرارية مؤسساتها. ويأتي انتظام الانتخابات التشريعية والبلدية، في مواعيدها الدستورية وضمن أجندتها السياسية الطبيعية، في صميم هذا الخيار الوطني الذي يجعل من التداول المؤسساتي آلية ثابتة لتجديد النخب وتعزيز الشرعية الديمقراطية.
فإجراء الاستحقاقات الانتخابية في آجالها ليس مجرد التزام تقني بمواعيد محددة، بل هو تعبير عن احترام الدستور، وترسيخ لسمو القانون، وتأكيد على أن المؤسسات المنتخبة تستمد مشروعيتها من إرادة المواطنين ومن انتظام العملية السياسية. وقد شكل هذا التوجه، على امتداد السنوات الماضية، أحد مظاهر الاستقرار المؤسساتي الذي ميز التجربة المغربية، في محيط إقليمي ودولي عرفت فيه دول عديدة تأجيل الانتخابات أو تعطيلها أو إخراجها عن سياقها الطبيعي.
ولا ينفصل هذا الحرص عن إرادة ملكية واضحة في توفير الشروط القانونية والمؤسساتية الكفيلة بضمان نزاهة العملية الانتخابية وسلامتها. فالمواعيد الانتخابية لا تكتسب قيمتها من انتظامها الزمني فحسب، وإنما كذلك من الضمانات التي تحيط بمختلف مراحلها، بدءاً من مراجعة اللوائح الانتخابية وإيداع الترشيحات، مروراً بالحملات والاقتراع، وانتهاء بفرز الأصوات وإعلان النتائج والبت في المنازعات.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الإشراف القضائي على عدد من مراحل العملية الانتخابية، ولا سيما من خلال رئاسة قضاة للجان الإدارية المكلفة بمراجعة اللوائح الانتخابية، إلى جانب اختصاصات القضاء في مراقبة احترام القواعد القانونية والبت في الطعون الانتخابية. كما تضطلع النيابة العامة بدور أساسي في التصدي للمخالفات، وحماية سلامة الاقتراع، وضمان عدم المساس بالإرادة الحرة للناخبات والناخبين.
وتكتسي صرامة تطبيق القوانين المنظمة للانتخابات أهمية خاصة، لأن نزاهة الاقتراع لا تتحقق بالنصوص وحدها، بل بمدى احترامها وتفعيلها على أرض الواقع. ومن ثم، فإن مواجهة استعمال المال، واستغلال النفوذ، والتأثير غير المشروع في الناخبين، والممارسات التي تخل بمبدأ المنافسة الشريفة، تظل جزءاً لا يتجزأ من تخليق الحياة السياسية وصيانة الثقة في المؤسسات المنتخبة.
وتؤكد المعطيات المرتبطة بالانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026 هذا النهج المؤسساتي؛ إذ جرى تفعيل لجنة مركزية لتتبع الانتخابات، إلى جانب لجان جهوية وإقليمية، تنفيذاً للتوجيهات الملكية السامية الموجهة إلى وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة. وتتمثل مهمة هذه اللجان في تتبع مختلف مراحل العملية الانتخابية، والتصدي الفوري لكل ما قد يمس بسلامتها، مع احترام الاختصاصات التي يخولها القانون للسلطات التشريعية والقضائية والإدارية.
كما تنص المعطيات الرسمية الخاصة بهذا الاستحقاق على أن مراجعة اللوائح الانتخابية تتم تحت إشراف لجان إدارية يرأسها قضاة، فيما تتولى وزارة الداخلية والمحكمة الدستورية الاختصاصات المرتبطة بالإشراف المؤسساتي والقانوني على العملية، وفقاً للإطار الدستوري والتنظيمي الجاري به العمل.
إن انتظام الانتخابات في مواعيدها، مقرونا بالرقابة القانونية والقضائية وبصرامة تطبيق التشريعات، يعكس تصوراً متكاملاً للديمقراطية باعتبارها ممارسة مؤسساتية مستمرة، لا مجرد محطة انتخابية عابرة. فالديمقراطية لا تقاس فقط بعدد صناديق الاقتراع، وإنما كذلك بمدى احترام قواعد المنافسة، وضمان حرية الاختيار، وحماية النتائج، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي المحصلة، فإن الحرص على تنظيم الانتخابات التشريعية والبلدية في آجالها الطبيعية، وتوفير الضمانات القانونية والقضائية لنزاهتها، يندرج ضمن منظومة واسعة من الإجراءات المؤسساتية التي أشرف عليها جلالة الملك محمد السادس شخصياً، بهدف ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وتعزيز الثقة في المسار الديمقراطي، وتحصين الاختيار الوطني من كل ما من شأنه أن يمس بسلامة العملية السياسية أو بإرادة المواطنات والمواطنين.