تمثيلية النساء في الانتخابات: من الضمان القانوني إلى اختبار الأحزاب

تهنئة عيد العرش

تضع المستجدات الجديدة في المنظومة الانتخابية الأحزاب السياسية أمام اختبار عملي لتعزيز حضور النساء في مجلس النواب وفي مواقع القرار الحزبي. فالمقتضيات الجديدة لا تكتفي بالحفاظ على آليات التمييز الإيجابي، بل تسعى إلى توسيع فرص المشاركة النسائية، خصوصاً عبر تخصيص الدوائر الجهوية للنساء، وتشجيع ترشح الشابات، وربط تأسيس الأحزاب نفسها بشروط تمثيلية نسائية واضحة.

دوائر جهوية مخصصة للنساء

أبرز ما جاءت به المنظومة المؤطرة للاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر يتمثل في تخصيص الدوائر الانتخابية الجهوية، التي كانت مفتوحة في السابق لترشيحات الرجال والنساء، بشكل حصري للترشيحات النسائية.

ويهدف هذا الإجراء إلى تحصين حضور النساء داخل مجلس النواب، لا سيما في حالات شغور المقاعد أو اللجوء إلى انتخابات جزئية أو تفعيل مسطرة التعويض، إذ سيؤول المقعد الشاغر في هذه الدوائر إلى مترشحة، بما يضمن عدم فقدان التمثيلية النسائية التي تحققت عبر هذا المسار.

وفي الوقت نفسه، لا يمنع هذا التخصيص النساء من الترشح في الدوائر الانتخابية المحلية، وهو ما يجعل الآلية ذات بعد انتقالي: فمن جهة، تؤمن تمثيلية نسائية مستقرة على المستوى الجهوي؛ ومن جهة ثانية، تفتح المجال أمام تنافس النساء في الدوائر المحلية على قدم المساواة مع الرجال.

وترى الباحثة في العلوم السياسية والقانون الدستوري، كريمة غراض، أن الوصول إلى تمثيلية نسائية تقترب من الثلث داخل مجلس النواب يظل رهيناً بمدى انفتاح الأحزاب على الكفاءات النسائية، ومنحهن مواقع فعلية للترشح، خصوصاً في الدوائر المحلية التي تشكل المجال الأكثر ارتباطاً بالتنافس السياسي المباشر.

تحفيز ترشح الشابات

تشمل المقتضيات الجديدة أيضاً تحفيزات مالية مهمة للوائح الترشيح الجهوية التي تضم، بشكل حصري، مترشحات لا تتجاوز أعمارهن 35 سنة، سواء تعلق الأمر بلوائح تقدمها الأحزاب السياسية أو مترشحات دون انتماء حزبي.

ويحمل هذا الإجراء رسالة واضحة مفادها أن رفع تمثيلية النساء لا ينبغي أن يقتصر على الجانب العددي، بل يتطلب أيضاً تجديد النخب السياسية وإتاحة فرص أوسع للشابات لولوج المؤسسة التشريعية واكتساب الخبرة البرلمانية.

لكن نجاح هذا التوجه يظل مرتبطاً بقدرة الأحزاب على تجاوز منطق تقديم مرشحات في مواقع رمزية أو ضعيفة الحظوظ، والانتقال إلى منحهن مسؤولية قيادة اللوائح المحلية، والمشاركة في إعداد البرامج، واحتلال مواقع التأثير داخل التنظيمات الحزبية.

من اللائحة الوطنية إلى التمثيلية المستدامة

تستند هذه الإصلاحات إلى مسار تراكمي بدأ باعتماد اللائحة الوطنية سنة 2002، وهي الآلية التي ساهمت في رفع عدد النائبات من نائبتين فقط سنة 1993 إلى 30 نائبة في أول تجربة لها.

عيد العرش 2026

وخلال الولاية التشريعية الحالية، 2021–2026، بلغ عدد النساء بمجلس النواب 96 نائبة من أصل 395 عضواً. غير أن 90 نائبة وصلن عبر اللوائح الجهوية، مقابل ست نائبات فقط فزن عبر اللوائح المحلية، وهي معطيات تبرز استمرار محدودية حضور النساء في دوائر التنافس الانتخابي المباشر.

ومن هنا، فإن الرهان المطروح لا يتعلق فقط بالحفاظ على المقاعد النسائية التي تضمنها الدوائر الجهوية، بل بتوسيع حضور النساء داخل الدوائر المحلية، وتوفير الشروط السياسية والتنظيمية والمالية التي تسمح لهن بخوض انتخابات تنافسية متكافئة.

إصلاح يبدأ داخل الأحزاب

تتجاوز المستجدات الجديدة مجلس النواب لتشمل مرحلة تأسيس الأحزاب السياسية. فقد أصبح مطلوباً تواجد أربع نساء على الأقل ضمن الأعضاء الاثني عشر اللازمين للتصريح بتأسيس حزب سياسي، إلى جانب اشتراط ألا تقل نسبة النساء عن الخمس من مجموع الأعضاء المؤسسين، أي 400 امرأة على الأقل من أصل ألفي عضو مؤسس.

وتحمل هذه المقتضيات أهمية خاصة لأنها تنقل مسألة التمثيلية النسائية من مرحلة الترشح والانتخابات إلى مرحلة بناء المشروع الحزبي نفسه. فإدماج النساء منذ لحظة التأسيس يمكن أن يفتح الطريق أمام حضورهن في الأجهزة القيادية، وفي بلورة المرجعيات والبرامج والقرارات الداخلية.

غير أن الباحثة كريمة غراض تؤكد أن النص القانوني وحده لا يكفي، لأن التحدي الحقيقي يبقى في مدى تنزيله داخل الأحزاب. فلا تزال بعض الممارسات تحد من وصول النساء إلى مواقع القرار، أو تحصر حضورهن في أدوار تمثيلية وتنظيمية لا تمنحهن تأثيراً حقيقياً في تدبير الحزب أو في اختيار المرشحين وصياغة السياسات.

الرهان: حضور مؤثر لا رمزي

إن رفع عدد النائبات يظل خطوة أساسية، لكنه لا يختزل مسألة التمكين السياسي للنساء. فالحضور الفعلي يقتضي تمكين النائبات من رئاسة اللجان البرلمانية، وتولي المهمات الاستطلاعية، والمشاركة في لجان تقصي الحقائق، والإسهام في التشريع ومراقبة السياسات العمومية.

كما يتطلب الاستثمار في التكوين السياسي والقانوني والتشريعي، وتأهيل الكفاءات النسائية للتعامل مع آليات العمل البرلماني، والترافع داخل الأحزاب، وقيادة الحملات الانتخابية، والتفاوض حول التحالفات والبرامج.

وفي هذا السياق، تمثل الانتخابات المقبلة اختباراً حقيقياً للأحزاب: هل ستتعامل مع المقتضيات الجديدة باعتبارها مجرد التزام قانوني لضمان المقاعد، أم كفرصة لإعادة بناء تمثيلية سياسية أكثر إنصافاً وفعالية؟

فنجاح الإصلاح سيقاس بمدى انتقال النساء من مواقع الحضور العددي إلى مواقع صناعة القرار، وبقدرة الأحزاب على جعل التمثيلية النسائية جزءاً من ديمقراطيتها الداخلية، وليس مجرد استجابة ظرفية لمقتضيات المنظومة الانتخابية.

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد