
إذا صحّ التسجيل الصوتي المنسوب إلى رئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي، والذي يُفهم منه هجوم على فوزي لقجع وحزب الأصالة والمعاصرة خلال اجتماع حزبي، فإن القضية تتجاوز بكثير حدود التنافس الانتخابي المعتاد أو التجاذب السياسي المألوف.
فمن الطبيعي أن تتصاعد حدة الخطاب بين الأحزاب مع اقتراب الاستحقاقات، ومن المعتاد أن تنزلق بعض النخب السياسية إلى التخوين أو التجريح أو التوظيف المفرط للخصومة. لكن الخطير هنا ليس مجرد اللهجة، بل ما يوحي به مضمون الكلام من تصورٍ مسبقٍ للنتائج وتوزيعٍ افتراضي للسلطة قبل أن يقول الناخبون كلمتهم.
الأخطر في مثل هذا الكلام، إذا ثبتت صحته، أنه يصدر عن شخصية تتبوأ موقعًا دستوريا رفيعا، يفترض فيها أن تُجسّد احترام المؤسسات والعملية الديمقراطية، لا أن تتحدث بمنطق الحصص المحسومة والنتائج المقررة سلفا. فالحديث عن ترتيبٍ شبه نهائي للقوى السياسية، وعن أدوار مرسومة مسبقا للأحزاب، قبل الاقتراع نفسه، يطرح سؤالا جوهريا: ما جدوى الانتخابات إذا كانت الخريطة السياسية مرسومة مسبقًا؟
إن ما يكشفه هذا النوع من الخطاب، إن صح، ليس مجرد خلل في الذوق السياسي أو انحراف في لغة التنافس، بل أزمة أعمق تمس جوهر الفعل الديمقراطي نفسه. لأن الديمقراطية لا تنهار فقط حين يُزور الصندوق، بل أيضا حين يُفرغ من معناه، وحين يُقدم للناس على أنه مسرحية نتائجها مكتوبة مسبقًا.

وفي المقابل، تبقى فرضية التزييف أو التركيب قائمة بقوة، خاصة في زمن باتت فيه أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على تقليد الأصوات وصناعة مقاطع تبدو مقنعة للوهلة الأولى. وهنا تصبح المشكلة مزدوجة: فإذا كان التسجيل صحيحا فالمصيبة سياسية وأخلاقية، وإذا كان مزيفا فالمصيبة معرفية وإعلامية، لأن الثقة نفسها ستتآكل، وسيفقد الناس القدرة على التمييز بين الحقيقة والانتحال.
في الحالتين، نحن أمام مشهد مقلق. إما أن هناك استخفافا صريحا بإرادة الناخبين، أو أن التكنولوجيا صارت قادرة على ضرب اليقين العام في الصميم. وكلا الاحتمالين يهدد المجال العمومي ويزيد من هشاشة الثقة في السياسة وفي وسائل التحقق معا.