المغرب وإسبانيا: إدارة واقعية وشراكة ثنائية لمواجهة أزمات مترابطة

تهنئة عيد العرش

تجمع المملكة المغربية والمملكة الإسبانية جغرافيا وتاريخا وروابط حضارية واجتماعية واقتصادية ممتدة عبر قرون. لا تمحى جغرافية الجوار ولا تطوى خيوط التاريخ، وفي ظل عولمة متسارعة وتحديات مشتركة — من الهجرة غير النظامية إلى الأمن الطاقي والجرائم العابرة للحدود — يصبح من الضروري إعادة تأكيد منطق الشراكة والمصالح المتبادلة القائم على الواقعية والتدبير المشترك.
الهجرة غير النظامية: أزمة تفرض استجابة مشتركة
ملف الهجرة السرية يتصاعد في السنوات الأخيرة ليصبح مسألة إنسانية وسياسية وأمنية في آن واحد. المغرب وإسبانيا، لكونهما جارتين بحرا وبرّا، يتحمل كل منهما أعباء ميدانية واجتماعية متفاوتة. من منظور إدارة الأزمة  لهذا ينبغي:
التعامل مع الهجرة كقضية متعددة الأبعاد: إنسانية، تنموية، أمنية، وقانونية. الرد الأمني وحده لا يكفي؛ بل مطلوب تعاون اقتصادي وإدماجي وبرامج تنموية في بلدان الانطلاق والعبور.
تقاسم المعلومات والتنسيق الميداني: تبادل البيانات الاستخباراتية، وتعزيز دور دوريات الإنقاذ، وتنسيق إجراءات الحدود لتخفيف الوفيات والتعامل مع شبكات الاتجار بالبشر.
برامج إعادة الإدماج والتمويل المشترك: دعم مشاريع تشغيل وصغرى مشاريع مدرة للدخل في مناطق انطلاق المهاجرين للحد من الضغوط.
التوظيف السياسي والانتخابي للأزمات
قضايا حساسة مثل سبتة ومليلية أو تدفقات الهجرة تستغل احيانا كأداة داخلية في السياسة الإسبانية. بعض الأحزاب أو الأطراف السياسية تستخدم حدة الملفات لكسب مقاعد أو تلميع صورة وطنية قصيرة الأمد. هذا التوظيف:
يعقد المسارات التفاوضية وينتج مواقف متقلّبة تعتمد على دورات انتخابية بدل استراتيجيات طويلة المدى.
يضعف الثقة بين الشريكين ويمنع بلورة حلول مستدامة، لأن أي تفاهم معرض للانقلاب عليه بتغير موازين القوى الداخلية في الطرف الآخر.
لذلك، تحتاج الرؤية المغربية إلى التمييز بين السياسة الداخلية الإسبانية والدولة الإسبانية كمؤسسة، والتعامل مع الآليات الرسمية والثابتة وتوسيع قنوات الحوار مع قوى مدنية ومجتمعية أيضاً.
مدينتا سبتة ومليلية: واقع تاريخي يحتاج لحكمة تدير الأزمة
التذكير بأن المدينتين مغربيتان تاريخيا وجغرافيا وثقافيا يعد نقطة مركزية في الموقف المغربي. لكن إدارة ملف ذي حساسية عالية تستلزم مقاربة واقعية:
العمل على آليات إدارة مشتركة أو تفاهمات عملية حول القضايا اليومية (المواصلات، المعابر، الخدمات الصحية والتجارية) بدل الدخول في صدامات قابلة للاشتعال.
الاستفادة من الوساطات الثنائية والإقليمية لتفادي استغلال الملف داخليا داخل إسبانيا أو خارجياً.
إبقاء خيار السيادة التاريخية حاضراً كمرجعية سياسية طويلة الأمد، مع التركيز على تحسين حياة السكان عبر توافقات عملية.
التدخلات  الجزائر وتأثيرها
صياغة الملفات بين المغرب وإسبانيا لا تتم في فراغ إقليمي. تدخلات طرف ثالث، خصوصا الجزائر، تضيف طبقات تعقيدية:
الجزائر قد ترى في إشعال الخلافات وسيلة لتحقيق مصالح استراتيجية أو الضغط في قضايا أخرى. هذا يستدعي يقظة دبلوماسية مغربية لتعقيد أي محاولات تأجيج.
من جهة أخرى، يجب على الرباط وإسبانيا بناء آليات ثنائية تقلل من هامش المناورات الإقليمية عبر إرساء قنوات اتصال مباشرة وسرية عندما يقتضي الأمر، وتعزيز التعاون متعدد الأطراف في القضايا التي تتجاوز نطاق البلدين.
خارطة طريق عملية لتعزيز الشراكة
لحماية المصالح المشتركة وتفادي استغلال الأزمات، لابد من :
إنشاء آلية تنسيق دائمة على مستوى رفيع (رؤساء أجهزة أمنية، وزراء داخلية وهجرة، ووزراء خارجية) لمعالجة أزمات آنية وتبادل المعلومات.
توقيع اتفاقيات ثنائية متناغمة في مجالات محددة: مكافحة تهريب البشر، إنعاش اقتصادي مشترك في مناطق عبور الهجرة، برامج تعليمية وثقافية لتعزيز التلاقي بين الشعوب.
خلق منصات مدنية مشتركة: منتديات للمنظمات غير الحكومية، والقطاع الخاص، والجامعات لتعزيز الثقة الشعبية بين البلدين وتقليل تأثير الخطاب الانتخابي المتشنج.
استراتيجية تواصلية متوازنة: حملات مشتركة عن فوائد التعاون، والنتائج العملية للتفاهمات، لتقليل مناصرة خطاب الاستغلال السياسي للأزمات.
استخدام الوساطة الأوروبية أو الدولية عند الحاجة لتسوية نزاعات تقنية أو قانونية، مع الحفاظ على قناة الحوار الثنائية المفتوحة.
في الأخير لا بد من الإشارة إلى أن المغرب وإسبانيا يجمعهما أكثر مما يفرقهما. الاستقواء بالهوية التاريخية وحدها أو الانجرار وراء ردود فعل انتخابية حادة لن يعيدا استقرار علاقةٍ تسهم في رفاه شعبي البلدين. بل إن إدارة تعتمد الواقعية، والمصالح المتبادلة، والتدبير المشترك للأزمات هي التي ستمنح العلاقات قدرة صمود أمام تقلبات داخلية وخارجية. التحدي الحقيقي هو تحويل الجوار التاريخي إلى شراكة استراتيجية تشبه الواقع الجغرافي: متلازمة مصالح، منافع مشتركة، وحكمة سياسية قادرة على صد محاولات الاستغلال الداخلي والإقليمي.

عيد العرش 2026
يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد