المغرب ودوره الوسيط في بناء توافق ليبي ليبي

منذ اندلاع الأزمة الليبية وما تلاها من انقسام سياسي وأمني، ظهرت دول وأطراف دولية عديدة متدخلة في الملف الليبي، بعضها دعما لأطراف محددة أو محاولة فرض أجنداتها الخاصة. في هذا السياق، برز المغرب كفاعل إقليمي متميز بنهج متوازن ومحايد.

يحرص المغرب على عدم فرض رؤيته أو دعم طرف ضد آخر، بل يعبر عن قناعة راسخة مفادها أن الحل الدائم لليبيا يجب أن ينبع من الإرادة الحرة للشعب الليبي ومن تفاهم داخلي بين مختلف مكوّناته.
الحياد البناء
اتباع المغرب لسياسة الحياد لا يعني عدم الانخراط؛ بل عكس ذلك: الحياد هنا بنّاء يهدف إلى خلق فضاء مواتٍ للحوار. يتيح هذا الموقف للمغرب الاحتفاظ بمصداقية لدى الأطراف الليبية المختلفة، ويجعله شريكاً ذا قبول واسع قادرًا على استضافة لقاءات ومبادرات تلتقي عندها وجهات النظر المتباينة دون شعور أي طرف بأنه مستهدف أو متهم بالانحياز.
تهيئة الظروف والآليات
ساهم المغرب بتهيئة شروط مادية ومعنوية لصهر المحاور الليبية في قنوات تفاوضية فعّالة:
توفير فضاءات آمنة ومحايدة للحوار السياسي والفني والتقني بين الفرقاء.
دعم المساعي التشاورية غير المباشرة، عبر استضافة لقاءات خبراء ومفاوضين ليبيين تتوج بإعداد خطوط عمل ومقترحات توافقية.
المساهمة في بناء آليات تقنية لإدارة العملية الانتخابية، من مراقبة وقوائم ناخبين وتدريب كوادر مستقلة، بما يعزز الثقة في مخرجات أي استحقاق.
تشجيع المشاركة المجتمعية والندوات الحوارية التي تجمع ممثلين عن المجتمع المدني، القبائل، الشباب والنساء، لتوسيع قاعدة الشرعية المحاورية.
إيمان بحلول ليبية
المغرب يكرر موقف جلالة الملك محمد السادس  نصره  الله ،القائل إن الحل السياسي لا يأتي عبر تقاسم النفوذ أو فرض وصاية خارجية، بل عبر حوار ليبي-ليبي يفضي إلى حلول توافقية. هذا الإيمان دفع المملكة إلى العمل كوسيط وميسِّر للعمليات تفاوضية من الصخيرات إلى لقاءات بوزنيقة وطنجة وغيرها ، مع ترك القرار النهائي لليبيين أنفسهم. مثل هذا النهج يحد من تبعات التدخلات الخارجية التي غالبًا ما تؤدي إلى تفاقم الانقسام وتعطيل الحلول المستدامة.
الانتخابات كمخرج شرعي
يرى المغرب أن إجراء انتخابات نزيهة وذات مصداقية شعبية هو المخرج الأمثل لبناء مؤسسات شرعية وقادرة على إعادة الاستقرار. لذلك يركّز جهوده على:
ضمان شروط نزاهة العملية الانتخابية وحماية اختيار المواطنين بحرية.
دعم إطار قانوني وإجرائي واضح للانتخابات يضمن تكافؤ الفرص ومراقبة مستقلة.
تعزيز الثقة بين الفرقاء حتى يقبلوا بنتائج الانتخاب مهما اختلفت، عبر التوافق المسبق على قواعد لعبة سياسية مقبولة من الجميع.
ويبقى دور الديبلوماسية المغربية في الملف الليبي نموذجًا للوساطة الإقليمية القائمة على الحياد البناء واحترام سيادة الإرادة الشعبية. عبر توفير الظروف والآليات للحوار الليبي-الليبي، والعمل على ضمان انتخابات نزيهة وذات مصداقية، يسهم المغرب في خلق فرصة حقيقية أمام ليبيا كي تتجاوز تبعات الأزمة وتبني مؤسسات منتخبة قادرة على استعادة الاستقرار والتنمية.

* علي الانصاري

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد