“أساور عائشة”.. مراد القادري يفشي سر الصداقات ويحفظ سيرة أولي الفضل

ينزوي الشاعر مراد القادري في كتابه “أساور عائشة” إلى ركنه الحميم وذاكرته الغائرة ليستعيد قصة الحياة بإملاء الشعور بواجب الاعتراف تجاه من شاركوه متعة الطريق وقاسموه وعورته.

في الكتاب الذي تم الاحتفاء به، أمس الثلاثاء بالرباط، من قبل مركز إكليل التابع لمؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين، بمناسبة فعاليات الرباط عاصمة عالمية للكتاب، يلتفت مراد القادري، رئيس بيت الشعر، إلى محيطه الإنساني والأدبي والجمعوي فيحصي شخصيات عديدة كان لها الأثر واليد البيضاء في إغناء سيرته وإحاطته بما يكفي لمواصلة العيش بهجة وإيمانا وإبداعا.

في 220 صفحة من القطع المتوسط، تتضافر نصوص أضمومة الاعتراف والشهادة لتحتفي بشخصيات تتوزع على ثلاث خانات: بيت العائلة في سلا العتيقة، مجمع الشعراء، ثم ساحة الأصدقاء. نصوص وشهادات عن شخصيات وأزمنة وأمكنة، “مصاغة بأسلوب شيق ينهل من محبرة الصدق والمحبة والوفاء”، كما وصفها الصحافي والكاتب أحمد الطاهري الذي نشط اللقاء بقراءة عاشقة في متن الكتاب.

يقول الطاهري إن قارئ هذا الكتاب يحس أن “ثمة نبلا طافحا بين ثنايا النصوص والشهادات المتضمنة فيه. إنه نبل الشاعر الوفي لعلاقاته وصداقاته، والمقدر للعطاءات الإنسانية المميزة الخيرة في شتى المجالات، والمعترف بفضل الآخرين في صقل شخصيته ومساره.. وهو نبل لا يمكن أن يفيض سوى عن قلب صدوق”.

وإذ يستحضر قولة الحكيم كونفوشيوس: “لو كان لي الحكم، لبدأت بإعادة المعنى للكلمات”، فإن الطاهري يسجل أن “إعادة المعنى لكلمة الصداقة تعد، بحق، عملا نبيلا وسخيا يبتغي إقرار ثقافة الاعتراف بالآخر والامتنان له وتعظيم أفضاله، نكاية في استشراء سلوكيات النكران والإجحاف والجحود”. ثم ها هو يستدعي حكمة جبران خليل جبران إذ يرى أن “صديقك هو كفاية حاجتك، وهو حقلك الذي تزرعه بالمحبة وتحصده بالشكر، هو مائدتك وموقدك، لأنك تأتي إليه جائعا، وتسعى وراءه مستدفئا”.

تقديما للإصدار الذي تعززت نصوصه بصور معبرة للشخصيات المحتفى بها، يكتب الشاعر حسن نجمي: “ألتفت مع مراد القادري. لأراه في الخاص والعام، في الذكريات والوجوه والأسماء. حيث يعيد تشكيل مسار حياته من النشوء إلى النضج، إلى المواقع المتقد مة في الحقل الأدبي والثقافي شاهدا بلغة شاعرية مكثفة، وبحس الاعتراف، ويروح الموقف النبيل الذي يعطي لشركاء حياته وحلفاء كتاباته حقهم من التحية والتكريم والامتنان”.

ويضيف أنه “ما من روح أكاديمية أو نزوع بحثي في هذه النصوص التي تشكل الكتاب. هناك صوت الشاعر الذي عرفناه متقشفا في قصيدته العامية الجميلة المتفكهة المنذورة للندرة، وهو يتدفق في هذا العمل بالوقائع والتفاصيل”.

ويخلص إلى أن القارئ سيعرف الكثير عن شخصية ومسار المؤلف من خلال شهاداته عن عدد من أصدقائه وأساتذته الأقرب إلى قلبه وفكره، وبالخصوص عن عائلته الكبرى، وأسرته الصغيرة، مضيفا “سعيد أنني كنت هناك قريبا من صوته، ومن قصيدته، ومن أطروحته، ومن فعله الثقافي العميق والمؤثر، حيث لا نزال نواصل المسار في الأفق الذي ارتضيناه معا، مع أخوات وإخوة لم نبد لهم ولم يبدلونا أبدا”.

يعترف مراد القادري من جانبه أن “الكتابة من محبرة كناشات العائلة والشعر والصداقة والحياة مغامرة وجدانية، فهي تضعك أمام امتحان الوفاء والصدق معا”، متسائلا “كيف تكتب عمن شاركك الحلم دون أن تنحاز ؟ وكيف تحفظ للمسافة موضوعيتها دون أن تخون حرارة القرب ؟ وكيف توازن بين القلب والقلم، بين الذاكرة والوعي، بين العاطفة والتأمل ؟”.

ويقول القادري إن هذا الكتاب “قطعة مني. حرصت فيه أن أستعيد وجوها أحببتها. وجوه تسكن الذاكرة كما تسكن الروح. بعضها، من كناش العائلة، وأخرى من كناش الشعراء أو الأصدقاء. جميعهم عبروا دربي وتركوا فيه أثرا لا يمحى، فصار حضور هم جزءا من حكايتي الشخصية قبل أن يكونوا جزءا من المشهد الحياتي والثقافي”.

بهذا المعنى، يكون هذا الكتاب، من جهة، رد بعض الجميل لمن جعلوا الطريق أقل وعورة، وأكثر إشراقا. كما يكون من جهة ثانية، مساحة للامتنان: امتنان للعائلة التي صنعت الجذور، وللشعراء الذين وسعوا الأفق، وللأصدقاء الذين جعلوا الرحلة أقل قسوة وأكثر معنى.

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد