بين طيات ألبومات العائلة، توجد الذكريات ذاتها والحكايات نفسها، مع تشابه ابتسامات الطفولة البريئة ومباريات الشوارع المرتجلة، وتلك الأحلام الغضة التي ترعرعت على صدى أمجاد أساطير الساحرة المستديرة. غير أن رياح مونديال 2026 جعلت بعض هؤلاء الإخوة الأشقاء يسلكون مسارات مختلفة.
ولئن ظلت آصرة الدم وثقى لا انفصام لها، فإن القمصان التي يدافعون عن ألوانها تضعهم أحيانا تحت لواء رايات متنافسة. فمن الأخوين دوي إلى الأخوين ويليامز، وصولا إلى آل سوتار، ينسج مونديال 2026 حكايات تتشابك فيها حرارة العاطفة الأسرية مع كبرياء الانتماء الوطني، لتذكرنا بأن الساحرة المستديرة هي في جوهرها مسألة وجدان وهوية و عواطف جياشة.
ولد ديزيري وغيلا في فرنسا من أب إيفواري وأم فرنسية، ونشآ معا، ولعبا في نفس ملاعب الحي، واتبعا نفس مسار التكوين في أكاديمية نادي رين. ورغم كل ذلك، افترقت بهما السبل على الساحة الدولية. فبينما يرتدي الأخ الأصغر ديزيري اليوم قميص منتخب فرنسا، آثر الأخ الأكبر غيلا تمثيل كوت ديفوار. وفي مشهد مهيب سبق المونديال بأيام، التقى الأخوان في مباراة ودية جمعت بلديهما، قبل أن يتعانقا عند صافرة النهاية، في مشهد يؤكد أن روابط الدم لا تعترف بأي حدود.
ولا تقل حكاية الأخوين ويليامز إلهاما وروعة. فقد نشأ إينياكي ونيكو في إسبانيا، من أبوين غانيين تكبدا مشقة الرحيل بحثا عن غد مشرق، قبل أن يصبحا من نجوم فريق أتلتيك بيلباو. ولكن، حين جاءت لحظة الحسم الدولي، خفق قلباهما بنبضين مختلفين. ففي حين أن نيكو اختار مواصلة رحلته بقميص إسبانيا، لبى إينياكي نداء الأجداد ليكرم جذور عائلته بقميص غانا. صحيح أن الأمر يتعلق برايتين ترفرفان، ونشيدين يترددان، غير أن القصة تظل في جوهرها ملحمة عائلية واحدة لا تتجزأ.
سحر المونديال لا يتوقف عند هذا الحد، بل يمتد ليعانق قصة الأخوين غير الشقيقين ديريك لوكاسين وبريان بروبي. صحيح أن كلاهما و لد في هولندا، غير أن كل واحد منهما اختار مسارا دوليا مستقلا عن الآخر. آثر الأول تمثيل غانا والثاني قرر الدفاع عن ألوان العلم الهولندي. وتمثل هذه الحالة صورة حية للتعددية الثقافية وغنى الهويات الذي أضحى سمة بارزة من سمات كرة القدم في العصر الحديث.
هناك أيضا قصة فريدة أخرى يمثلها الأخوان سوتار، حيث يرتدي هاري ألوان أستراليا، في حين سيمثل جون اسكتلندا. هي عائلة واحدة، وأمتان وحلمان يتقاطعان في البطولة ذاتها.
سواء من على مقاعد الجماهير أو أمام شاشات التلفاز، سيراقب الآباء فلذات أكبادهم وعيونهم تفيض فخرا وحبا. ربما تنجح الأعلام في التفريق بين الأشقاء لمدة تسعين دقيقة، لكن الحقيقة الأكيدة هي أن هؤلاء يجسدون رسالة أسمى تظل بعيدة عن صخب الأناشيد الوطنية وحواجز الحدود، تتمثل في أن كرة القدم هي قبل كل شيء شأن عائلي صرف.