الدبلوماسية الرقمية ودورها في تعزيز السياسة الخارجية للمغرب

دنيا نجاعتي- باحثة في الصحافة والاعلام الحديث

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، باتت الدبلوماسية الرقمية أداةً استراتيجية لا غنى عنها في منظومة العلاقات الخارجية للدول. ويُشكّل المغرب نموذجاً لافتاً في هذا السياق، إذ سعى إلى توظيف الفضاء الرقمي بوصفه امتداداً طبيعياً لدبلوماسيته التقليدية، وركيزةً داعمة لطموحاته الاقتصادية والسياسية على الصعيدين الإقليمي والدولي. وفي عالم لم تعد فيه الدبلوماسية حكراً على القاعات المغلقة والمفاوضات السرية، بل امتدت لتشمل كل منبر رقمي وكل تغريدة وكل مقطع مصور، أصبح الحضور الرقمي الفعّال شرطاً لا تفاوض فيه لأي دولة تطمح إلى التأثير في القرار الدولي وصون مصالحها الاستراتيجية.

انخرط المغرب في مسار التحديث الرقمي منذ مطلع الألفية الثالثة، غير أن المرحلة الأكثر نضجاً بدأت مع تبنّي استراتيجيات وطنية شاملة كـ”المغرب الرقمي 2013″ ثم “المخطط الرقمي 2020″، وصولاً إلى رؤية “المغرب الرقمي 2030”. وقد انعكست هذه الاستراتيجيات على أسلوب تعامل المملكة مع العالم الخارجي، حيث وظّفت وزارة الشؤون الخارجية وعدد من الهيئات الحكومية الفضاءَ الإلكتروني لنشر مواقفها الرسمية، والتواصل مع الجاليات المغربية في المهجر، وتعزيز صورة المملكة دولياً.

وتتجلى الدبلوماسية الرقمية المغربية في أوجه متعددة ومتكاملة. فعلى صعيد التواصل الرسمي، باتت السفارات والقنصليات تعتمد على منصات التواصل الاجتماعي للتفاعل المباشر مع الجمهور الدولي، وتقديم الخدمات القنصلية، والتعريف بالمواقف الرسمية للمملكة في القضايا الكبرى، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية. وعلى صعيد آخر، يشارك المغرب بفاعلية في المنتديات الدولية المعنية بالحوكمة الرقمية والذكاء الاصطناعي، مما يمنحه حضوراً في صياغة السياسات التقنية العالمية. أما على صعيد الجاليات، فيُعدّ التواصل مع ما يزيد على خمسة ملايين مغربي في الخارج رهاناً استراتيجياً، إذ تُوفر المنصات الرقمية جسراً فعّالاً لتعزيز انتمائهم الوطني واستقطاب استثماراتهم وتحويلهم إلى سفراء غير رسميين للمملكة.

ولعل أحد أبرز الرهانات التي تجعل تطوير الدبلوماسية الرقمية ضرورة وجودية لا خياراً ثانوياً، هو “حرب السرديات” التي يخوضها المغرب على الفضاء الرقمي في مواجهة خصوم يُحسنون توظيف الأدوات الإعلامية والرقمية. فقضية الوحدة الترابية تُخاض اليوم، قبل قاعات الأمم المتحدة، على منصات “إكس” ويوتيوب والشبكات الناطقة بالإسبانية والفرنسية والإنجليزية، حيث تنشط جهات معادية في بث روايات مغلوطة وتأطير الرأي العام الدولي بما يخدم أجنداتها. وفي غياب استجابة رقمية منظمة وسريعة، يجد المغرب نفسه في موقع المتأخر الذي يرد بدل أن يبادر، ويدافع بدل أن يُأطّر. ومن هنا تتضح الحاجة إلى بناء منظومة رقمية هجومية بامتياز، تجمع بين الدبلوماسية العامة والإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي لرصد السرديات المعادية والتصدي لها في الوقت الحقيقي، وبلغات متعددة تبلغ الجمهور حيث يوجد. وليس مبالغةً القول إن معركة الرأي العام الدولي باتت تُحسم اليوم على الشاشات قبل أن تُحسم في مجلس الأمن، وإن الدولة التي تتخلى عن هذا الميدان تتنازل طوعاً عن ورقة ضغط بالغة الأثر.

غير أن الدبلوماسية الرقمية المغربية تواجه جملةً من التحديات الجوهرية. فمن الناحية التقنية، تبقى الهوّة الرقمية الداخلية عائقاً أمام الاستفادة الكاملة من الإمكانات المتاحة. وعلى الصعيد الأمني، تُشكّل الهجمات الإلكترونية والمعلومات المضلّلة تهديداً متصاعداً للمصداقية الرقمية للمملكة. يُضاف إلى ذلك الحاجة الملحّة إلى بناء كفاءات بشرية متخصصة في هذا الحقل الناشئ ضمن أجهزة الدولة المختلفة، وإلى تنسيق مؤسسي فعّال يمنع تشتت الجهود وتضارب الرسائل الموجهة للرأي العام الخارجي.

تُمثّل الدبلوماسية الرقمية في المغرب مشروعاً في طور البناء، يجمع بين إرادة سياسية واضحة وحاجة استراتيجية ملحّة. وإذا أحسن المغرب توظيف هذا الرافد ضمن منظومة دبلوماسيته الشاملة، وأدرك أن حرب السرديات ليست ترفاً إعلامياً بل امتداد حقيقي للصراع الجيوسياسي، فإنه سيكون في موقع متقدم لإرساء نفوذه الناعم في عالم تتشكّل ملامحه الجديدة على شاشات رقمية قبل أن ترسمها الحدود الجغرافية.

 

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد