المغرب وكازاخستان…. شراكة استراتيجية قائمة على الرؤية المشتركة والتوافق العميق

إعداد: حسن عماري

في عالم يشهد تحولات متسارعة في السياسة والاقتصاد والثقافة، تبرز العلاقات المغربية–الكازاخستانية كنموذج رائد للشراكات الدولية المبنية على الاحترام المتبادل والرؤية الاستراتيجية المشتركة. هذه الشراكة لا تقتصر على البعد الدبلوماسي أو التجاري فحسب، بل تمثل التقاء للقيم الإنسانية، الحوار الحضاري، والتعاون متعدد الأبعاد، بما يؤكد التزام البلدين بالمساهمة في الاستقرار الإقليمي والدولي، وتعزيز السلام والتنمية المستدامة.

 

رؤية مشتركة للسلام والأمن

يستند التعاون بين المغرب وكازاخستان إلى رؤية واضحة للسلام والأمن الدوليين. ويظل البلدان ملتزمين بدعم الاستخدام السلمي للتكنولوجيا النووية لتحقيق التنمية المستدامة، والعمل على إقامة مناطق خالية من أسلحة الدمار الشامل، مع التركيز على منطقة الشرق الأوسط.

ويأتي انضمام كازاخستان لاتفاقيات أبراهام في نونبر 2025 في إطار استكمال المسار الذي اختطه المغرب منذ 2020 لتعزيز التعاون الاقتصادي والدبلوماسي، فيما يواصل البلدان دعمهما لحل النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي بطريقة سلمية، مع تأكيد المملكة المغربية و جمهورية كازاخستان على إنشاء دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، كركيزة للسلام والاستقرار الإقليمي.

 

تقارب استراتيجي في الرؤى

تشهد العلاقة بين الرباط وأستانا تقاربا شديدا في وجهات النظر حول القضايا الدولية والإقليمية، من السياسة الخارجية إلى الأمن الغذائي والاقتصادي، مرورا بالتحول الرقمي والثقافة. هذا التقارب يوثق التزام البلدين بالعمل المشترك لتعزيز الاستقرار الإقليمي، وتقديم نموذج للشراكة الدولية المبنية على الحوار والاحترام المتبادل، مع وضع التنمية المستدامة في صلب الأولويات.

 

جلالة الملك محمد السادس: القائد الدبلوماسي الملهم

لقد شكلت رؤية جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، محورا أساسيا في ترسيخ علاقات المغرب مع الدول الصديقة والشريكة. فهو قائد ينتهج سياسة انفتاح متوازن على العالم، يدعم السلام والحوار بين الشعوب، ويعزز الاستقرار الإقليمي من خلال دبلوماسية نشطة وحكيمة. كما يولي جلالته أهمية كبرى للثقافة والتبادل الحضاري، ما جعل المغرب بوابة فاعلة للتلاقي الثقافي بين إفريقيا وآسيا وأوروبا، ومركزا للاستثمار والتنمية المستدامة.

 

زيارات رسمية لتعزيز الشراكة المغربية-الكازاخستانية

شهدت العلاقات الثنائية بين المغرب وكازاخستان دينامية دبلوماسية ملحوظة خلال عام 2025، حيث قام نائب رئيس الوزراء ووزير الشؤون الخارجية الكازاخستاني، بزيارة رسمية تاريخية إلى المغرب في فبراير 2025، تلتها زيارة رئيس مجلس النواب الكازاخستاني، في نونبر 2025، على رأس وفد برلماني رفيع المستوى. وقد شكلت هذه اللقاءات مناسبة لتعميق التعاون بين البلدين، وتأكيد تطابق وجهات النظر في القضايا الثنائية ومتعددة الأطراف، وتعزيز الدعم المتبادل في المحافل الدولية. كما أكدت هذه الزيارات على الدور الاستراتيجي للمغرب كبوابة لكازاخستان نحو إفريقيا والفضاء المتوسطي، وعلى التاريخ العريق للعلاقات بين الشعبين، مستحضرة الروابط الحضارية التي جمعها الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة بكازاخستان.

وأشار الجانبان إلى أهمية تعزيز التعاون البرلماني والدبلوماسي، بما يشمل متابعة الإصلاحات الكبرى، ودعم المشاريع المشتركة في المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، إلى جانب التحول الرقمي والابتكار.

 

الدبلوماسية المغربية والكازاخستانية: جسر من التواصل والحوار

تتجلى قوة العلاقات المغربية–الكازاخستانية في تناغم الدبلوماسية بين البلدين، الذي انعكس منذ تبادل الزيارات الرسمية للوفود المهمة، مرورا باللقاءات الاستراتيجية على أعلى المستويات. فقد لعبت البعثة الدبلوماسية الكازاخستانية في المملكة المغربية، بقيادة معالي السفيرة السيدة سوليكول سيلوكيزي، دورا محوريا في تعزيز هذه الشراكة، من خلال تنظيم الفعاليات الثقافية، والتنسيق بين المؤسسات الحكومية، وتسهيل الحوار بين القطاعين العام والخاص.

 

ومن الجانب المغربي، أسهمت السفارة المغربية في أستانا في دعم التواصل المستمر مع السلطات الكازاخستانية، وتعزيز المبادرات الاقتصادية والثقافية، بما يفتح آفاقا واسعة للتعاون في مجالات الاستثمار، الزراعة، الطاقة، والسياحة، إضافة إلى دعم التبادل الأكاديمي والبرلماني. هذه الدينامية المشتركة أسهمت في ترسيخ الثقة المتبادلة، وإبراز قدرة الدبلوماسية المغربية والكازاخستانية على بناء جسر دائم للحوار والتفاهم، يربط بين إفريقيا وآسيا الوسطى، وتوثق روح التعاون والاحترام المتبادل التي تجمع بين البلدين.

 

الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية

 

أما على الصعيد الاقتصادي، تشهد العلاقات المغربية–الكازاخستانية توسعا ملموسا في مجالات الزراعة والطاقة والصناعات التحويلية. يوفر المغرب خبراته الواسعة في الإنتاج الزراعي والفوسفاط والأسمدة لدعم تطوير الزراعة في كازاخستان، بينما يعد الأخير موردا رئيسيا للحبوب والطاقة والمعادن.

كما تتيح البنية التحتية المغربية، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط، بوابة استراتيجية لكازاخستان نحو الأسواق الإفريقية والأوروبية، فيما يوفر المغرب وصولا مميزا إلى العالم العربي وإفريقيا. وفي نفس السياق فقد تم توقيع اتفاقيات لتعزيز التعاون القضائي والأمني، لضمان حماية المصالح المشتركة، إضافة إلى تشجيع الاستثمار المشترك والمشاريع الصناعية والتجارية بين البلدين.

 

التحول الرقمي والتكنولوجيا

تولي كازاخستان أولوية استراتيجية للتحول الرقمي والابتكار، مع التركيز على تطوير المدن الذكية ومراكز الابتكار، وتعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاعات الاقتصادية والإدارية، حيث يمكن للمغرب الاستفادة من هذا التعاون لتعزيز الأمن الغذائي والطاقة، وتوسيع نطاق النفوذ الاقتصادي في إفريقيا والعالم العربي، ما يجعل هذه الشراكة نموذجا مبتكرا للتكامل بين الاقتصاد والتكنولوجيا والدبلوماسية.

 

الثقافة والحوار بين الشعوب

تتميز العلاقة بين المغرب وكازاخستان بعمق ثقافي وروحي يؤكد التزام البلدين بالقيم الإنسانية والتسامح الديني. وقد أسهمت اتفاقيات الإعفاء من التأشيرة في تعزيز التبادل السياحي والتجاري، فيما تشمل المبادرات الثقافية تنظيم مهرجانات سينمائية، وبرامج أكاديمية وفنية مشتركة، ما يعزز الفهم المتبادل ويقوي الروابط الإنسانية.

 

شراكة نموذجية لمستقبل مستدام

 

تشكل العلاقات المغربية–الكازاخستانية نموذجا متكاملا للشراكة الدولية، تجمع بين السياسة والاقتصاد والثقافة والدبلوماسية، مع التركيز على القيم الإنسانية والمصالح المشتركة. ومع تنفيذ الاتفاقيات القائمة واستمرار الإصلاحات والتطلعات المستقبلية، تبدو هذه الشراكة قادرة على تعزيز التكامل بين البلدين، وفتح آفاق جديدة للتعاون الإقليمي والدولي، بما يخدم التنمية المستدامة والسلام العالمي.

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد