الرقابة القضائية والصفقات العمومية: مدخل لتعزيز الحكامة والوقاية من المنازعات

تكتسي الصفقات العمومية أهمية بالغة في تعزيز الاستثمار العمومي ودعم التنمية الوطنية، باعتبارها أداة رئيسية لتنزيل الاستراتيجيات القطاعية.

ويبرز دور السلطة القضائية في ضمان شفافية هذا المسار، وحماية المصلحة العامة، وتحقيق التوازن القانوني بين الإدارة والمتعاقدين. ومن هذا المنطلق، تأتي هذه الندوة العلمية الوطنية والتي تنظمها وزارة التجهيز والماء تحت شعار:(التدبير الأمثل للصفقات، مدخل للوقاية من المنازعات)*

الندوة التي افتتحت صباح اليوم ستكون منصة لتبادل الخبرات ومناقشة أفضل الممارسات وآليات الوقاية من النزاعات المرتبطة بالصفقات العمومية.

في ما يلي كلمة السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بمناسبة الندوة المنظمة من طرف وزارة التجهيز والماء تحت شعار:(التدبير الأمثل للصفقات، مدخل للوقاية من المنازعات)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وعلى آله وصحبه،

حضرات السيدات والسادة،

يسعدني أن أشارك معكم في فعاليات الجلسة الافتتاحية للندوة العلمية التي تنظمها وزارة التجهيز والماء تحت شعار (التدبير الأمثل للصفقات، مدخل للوقاية من المنازعات).

هي مناسبة أود من خلالها أن أتوجه بخالص الشكر والامتنان للسيد وزير التجهيز والماء الأخ نزار بركة على دعوته الكريمة لحضور فعاليات هذه الندوة الهامة، والتي ستشكل بكل تأكيد محطة مهمة، ومناسبة سانحة لتبادل الرؤى والافكار بين مختلف المتدخلين والفاعلين المؤسساتيين، والشركاء المعنيين بالطلبيات العمومية سواء من القطاع العام أو الخاص، ومناقشة الإشكاليات القانونية والتقنية لموضوع بات يحظى بأهمية متزايدة من طرف مختلف الفاعلين.

حضرات السيدات والسادة المحترمون،

يشهد المغرب تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده دينامية تنموية متواصلة، جعلت من الاستثمار العمومي رافعة أساسية لإنجاز الأوراش الاستراتيجية الكبرى، وتطوير البنيات التحتية، ودعم النسيج المقاولاتي الوطني.

وفي قلب هذه الدينامية يبرز دور الصفقات العمومية، ليس كأداة لتلبية حاجيات المرافق العمومية وتنزيل الاستراتيجيات القطاعية فحسب، بل كمحدد ومعيار أساسي لتقييم التدابير المتخذة من طرف الإدارة لتنزيل خيارات المملكة لإرساء قواعد الحكامة الجيدة والشفافية والمنافسة ومكافحة الفساد.

وذلكم هو جوهر التوجيه الملكي السامي الوارد في الخطاب الملكي الذي وجهه جلالة الملك نصره الله بمناسبة ذكرى عيد العرش المجيد لسنة 2011، حيث اعتبر جلالته أن ” التعاقد الاقتصادي الجديد، يقتضي الاهتمام بمنظومة الإنتاج الاقتصادي، وإذكاء روح المبادرة الحرة، خاصة من خلال تشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة، بما ينسجم مع روح الدستور الجديد الذي يكرس دولة القانون في مجال الأعمال، ومجموعة من الحقوق والهيئات الاقتصادية الضامنة لحرية المبادرة الخاصة، ولشروط المنافسة الشريفة وآليات تخليق الحياة العامة، ولضوابط زجر الاحتكار والامتيازات غير المشروعة واقتصاد الريع والفساد والرشوة”. انتهى النطق الملكي الكريم.

كما أنها نفس المضامين التي تضمنتها الرسالة الملكية التي وجهها جلالة الملك حفظه الله إلى المشاركين في المنتدى الوطني للوظيفة العمومية العليا بالرباط يوم 27 فبراير 2018، حيث قال جلالته : “إن إشكالية التدبير الفعال للموارد ومستلزمات النهوض بالتنمية الشاملة، يطرح بحدة مسألة نجاعة الإدارة العمومية ومؤسسات الدولة، مع ما يقتضيه الأمر من مراجعة أساليب عملها، وطرق تدبير الموارد العمومية، في اتجاه التوظيف الأمثل للإمكانات المتاحة”.

حضرات السيدات والسادة الافاضل،

لا يخفى عليكم أن نظام الصفقات العمومية بالمغرب عرف إصلاحات متعددة ومستمرة، تميزت بمراجعات متتالية للإطار القانوني المنظم للطلبيات العمومية، كان آخرها المرسوم رقم 2.22.431 الصادر بتاريخ 8 مارس 2023، والذي شكل نقلة نوعية، ونقطة تحول كبرى في مسار هذا الإصلاح المستمر، والذي أرست معالمه الكبرى المناظرة الوطنية للصفقات العمومية لسنة 2009.

ولا شك أن الإصلاحات التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالصفقات العمومية تسعى لمواكبة أهمية الاستثمار العمومي في بلدنا، والتي قاربت (في سنة 2024) ثلاثة أرباع مجموع الاستثمارات بالمملكة. وإن هذه النسبة الهامة أدت بطبيعة الحال إلى ازدياد النزاعات أمام “القضاء الإداري بالمحاكم المغربية.

وفي هذا الإطار أشير إلى أن مجموع القضايا المتعلقة بالعقود الإدارية والصفقات العمومية المسجلة بالمحاكم الإدارية بالمملكة خلال السنوات الثلاث الأخيرة انتقلت من 1969 ملفاً سنة 2023 إلى 2218 ملفاً سنة 2024، لتصل إلى 2577 ملفاً سنة 2025. وقد أصدرت المحاكم الإدارية بدرجتيها الأولى والثانية خلال هذه الفترة، ما مجموعه 6928 مقرراً قضائياً، 46% منها صدرت عن المحكمتين الإداريتين الابتدائية والاستئنافية بالرباط. ولهذا السبب فإن القضاء، باعتباره مصدر الأمن القضائي للأفراد والجماعات، لم يكن بمعزل عن النقاش العمومي الدائر حول إصلاح نظام الصفقات العمومية. ولذلك فإن السلطة القضائية تواكب هذا النقاش بما يلزم من حرص واهتمام، وتلتقط الرسائل الرامية إلى تحقيق الغايات المنشودة من طرف المشرع، والمقررة بالدستور، سواء فيما يتعلق بحماية الحقوق والحريات أو المال العام. وبما يراعي قوة العقود وضمان التوازن القانوني بين المصالح العامة والخاصة وتكريس مبادئ الشفافية والتنافسية والحكامة الجيدة في التدبير.

وهنا يبرز دور القاضي الإداري في مراقبة الصفقات العمومية وضبط توازناتها، باعتباره ضمانة أساسية لحماية الشرعية التعاقدية وتكريس الأمن القانوني والقضائي، بما يصون حقوق المتقاضين ويحمي المصلحة العامة.

ولأن المناسبة شرط أود التأكيد على أن الرقابة القضائية على العقود الإدارية، وفي مقدمتها الصفقات العمومية، تستند إلى القانون ومنطق القضاء الإداري، الذي لا يَروم تعطيل نشاط المرفق العام، بقدر ما يَهدف إلى تنظيمه وضبطه وفقاً لقواعد الشفافية والمشروعية. فالعقد الإداري يقوم على امتيازات ممنوحة للإدارة خدمة للمصلحة العامة، من قبيل سلطة التوجيه والرقابة وتوقيع الجزاءات وتعديل شروط العقد وإنهائه عند الاقتضاء. غير أن هذه الامتيازات تقابلها حقوق وضمانات مقررة للمتعاقد مع الإدارة، تمكنه من حماية مركزه القانوني والمالي، واستعادة التوازن العقدي كلما اختل بفعل تصرفات الجهة الإدارية، أو بفعل ظروف استثنائية غير متوقعة.

وقد أسهم القضاء الإداري المغربي، عبر اجتهادات متواترة لمحكمة النقض والمحاكم الإدارية، في بلورة قواعد متقدمة في هذا المجال، سواء من حيث تحديد الاختصاص في النزاعات ذات الصلة بالصفقات العمومية، أو من حيث ضبط شروط استحقاق ثمن الصفقة، أو تنظيم الجزاءات المالية، أو مراقبة مشروعية قرارات الفسخ، مع الحرص الدائم على التناسب بين جسامة الإخلال والجزاء المعتمد، حماية للمال العام من جهة، ولحقوق المقاولة الجادة من جهة أخرى.

من جهة أخرى أود التأكيد أيضاً على أن السلطة القضائية منفتحة باستمرار على مختلف الفاعلين المؤسساتيين للمساهمة في المجهود الوطني الرامي إلى إصلاح نظام الصفقات العمومية بالمغرب، وحماية الاستثمار الخاص والعام. وفي هذا الإطار تندرج مشاركتنا في هذه الندوة العلمية الوطنية الهامة بدعوة كريمة من الفاضل المحترم السيد وزير التجهيز والماء. والتي هي من نتائج اتفاقية التعاون والشراكة الموقعة بين محكمة النقض ووزارة التجهيز والماء بتاريخ 16 مارس 2022، والتي ترمي إلى تعزيز التعاون بين الطرفين في مجالات التبادل الالكتروني والورقي للإصدارات والمنشورات. والتي كان من بين أهدافها تعزيز تبادل الخبرات وتنمية وتطوير الكفاءات عبر تنظيم دورات تكوينية وأنشطة علمية مشتركة تهم مجال اشتغال الطرفين، وإصدار منشورات مشتركة في هذه المجالات.

وتفعيلاً لهذه الاتفاقية، فإن اللجنة التقنية المشتركة منكبة حالياً على وضع برنامج لسلسلة من الندوات سيتم تنظيمها خلال سنة 2026 تهدف إلى مناقشة الإشكاليات القانونية التي تثيرها النصوص المؤطرة للصفقات العمومية، والتوجهات القضائية المرتبطة بذلك.

حضرات السيدات والسادة المحترمون،

إن الرهان اليوم لم يعد مقتصراً على معالجة المنازعات بعد نشوئها، بل أصبح يرتكز، قبل ذلك، على بناء منظومة وقائية متكاملة تسهم في الحد من أسباب النزاع، ويقوم هذا النهج الوقائي على جملة من التدابير الأساسية من أبرزها:

✔ الارتقاء بجودة إعداد وتنفيذ وتتبع الصفقات العمومية؛

✔ دعم تنمية القدرات المهنية للمتدخلين في مختلف مراحل هذا المسار؛

✔ مواكبة التوجهات القضائية للقضاء الإداري المغربي؛

✔ تطوير الوسائل البديلة لفض المنازعات من وساطة وصلح وتسوية ودية، كلما توفرت شروط ذلك.

وإنني أعتقد أن التئام هذه الثلة من الخبراء والأطر والمتخصصين في مجال القانون الإداري وتدبير الصفقات العمومية والمالية العامة، هو فرصة لاستعراض الممارسات الفضلى لمختلف القطاعات والمؤسسات في مجال الصفقات العمومية، والإجابة عن عدد من التساؤلات التي تشغل بال الفاعلين المؤسساتيين، والاطلاع على التوجهات القضائية التي أرساها القضاء الإداري المغربي في هذا المجال، باعتبارها رصيداً مهماً يمكن البناء عليه بثقة لتحسين أداء مختلف المتدخلين في مجال الصفقات العمومية.

في ختام هذه الكلمة أجدد الشكر لكم السيد وزير التجهيز والماء المحترم على دعوتكم الكريمة، متمنياً أن تحقق هذه الندوة الوطنية كل الأهداف المتوخاة منها، ولوزارة التجهيز والماء كامل التوفيق في جهودها ومساعيها في هذا المجال خدمة للصالح العام.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد