(محمد أمين إخيبي و م ع)
بصمت الأزياء التقليدية الإفريقية على حضورها كلغة بصرية لافتة خلال أطوار كأس إفريقيا للأمم بالمغرب، لتتحول المدرجات إلى فضاء يستحضر بقوة ذاكرة القارة السمراء، ويجسد بأحلى حلة غنى تنوعها الثقافي، مانحة هذه التظاهرة القارية بعدا حضاريا يتجاوز الإطار الرياضي وحدود التنافس الكروي.
ففي هذه الدورة، وعلى عكس كبريات التظاهرات الكروية العالمية التي يسود فيها تشابه المشهد البصري، ارتقى التشجيع الإفريقي إلى ممارسة ثقافية واعية بامتياز، حيث غدا اللباس التقليدي بألوانه المتلألئة وسيلة للتعبير عن الانتماء والهوية والفرح.
وعبرت الجماهير التي ارتدت “البوغولان” المالي، و”النكاندو” القمري، و”الفاسو دانفاني” البوركينابي، و”البوبو” السنغالي، وغيرها من الأزياء التقليدية لشعوب القارة، عن موجة من الفخر والاعتزاز انطلقت من المدرجات، مؤكدة أن هذه الألبسة ليست مجرد مظاهر فلكلورية عابرة، وإنما هي تعبير حي عن الانتماء العميق والهوية الجماعية.
وتجاوزت هذه الأزياء، بعدها الجمالي، لتحمل شحنات اجتماعية وروحية عميقة، إذ يرمز “البوغولان” المالي إلى الحكمة والحماية والتجذر في الأرض، بينما يعكس “النكاندو” القمري بساطة راقية، ويجسد “الفاسو دانفاني” روح الاستقلال والاعتزاز الوطني في بوركينا فاسو، في حين يعبر “البوبو” السنغالي عن الهيبة والانضباط.
ولم يكن الزي التقليدي المغربي غائبا عن هذا المشهد الثقافي الغني، حيث حضر الجلباب المغربي كأحد رموز الأناقة والهوية في المدرجات.
وفي هذا السياق، قال محمد، مشجع مغربي، إن “الجلباب ليس مجرد لباس تقليدي، بل هو تعبير عن توازن فريد بين الأصالة والوقار، وتاريخ من الحرفية المغربية العريقة، من دقة الخياطة إلى تناغم الألوان”.
وأضاف في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء أن الجلباب يمنح حضورا هادئا لكنه قوي في ذات الوقت، ويعكس صورة مغرب يحترم جذوره ويقدمها بثقة إلى العالم.
من جانبه، قال موسى، أحد المشجعين السنغاليين، في تصريح مماثل إن “البوبو السنغالي ليس مجرد زي يرتدى، بل إحساس يحتضن صاحبه”.
وأشار إلى أن إعجاب الصحفيين الأجانب، وهم يلتقطون الصور خلال هذه التظاهرة، جعله يدرك أن مثل هذه المظاهر تسهم بالتأكيد في كسر الصور النمطية السائدة، وتبعث برسالة واضحة مفادها أن إفريقيا ليست مجرد إيقاعات وموسيقى عفوية، بل هي حضارة مكتملة بكافة عناصرها، تمتلك أناقتها الخاصة وفلسفتها العميقة في اللباس والتعبير.
وعبر عصمان، وهو من بوركينافاسو، من جهته، عن اعتزازه بارتداء زي “الفاسو دانفاني” في مدرجات كأس إفريقيا، مؤكدا أن ظهوره بهذا اللباس التقليدي لفت الأنظار من حوله، حيث كان المشجعون يتوقفون لالتقاط الصور معه، لتتحول تلك اللحظات إلى فرص للتعريف بخصوصية هذا الزي المميز.
من جهته، أبرز إبراهيما، المشجع المالي، البعد الرمزي للباس “البوغولان”، معتبرا أنه يحمل دلالات عميقة مرتبطة بالحكمة والتجذر في الأرض.
وأضاف أنه لمس في نظرات المشجعين الآخرين احتراما حقيقيا لهذا الزي، ما جعله يشعر بأنه تجاوز دور المشجع العادي، ليصبح سفيرا لثقافة ضاربة الجذور في عمق التاريخ.
ومن المؤكد أن الزخم الإعلامي غير المسبوق الذي رافق أطوار كأس إفريقيا للأمم بالمغرب أسهم في نقل عنصر الأزياء التقليدية الإفريقية من فضاء المدرجات إلى واجهة المشهد العالمي، حيث وصلت صورها ورموزها إلى ملايين المشاهدين عبر مختلف القارات، حاملة معها رسائل ثقافية عميقة تعكس تشبث شعوب القارة بهويتها واعتزازها بتراثها المتجذر.
يذكر أن كأس إفريقيا للأمم بالمغرب تشهد تغطية دولية غير مسبوقة، بمشاركة 3800 صحفي، إلى جانب بث المباريات في عشرات البلدان الإفريقية والأوروبية، في سياق تزايد ملحوظ للإقبال على حقوق النقل التلفزيوني، ما يؤكد المكانة المتنامية لهذه المسابقة ضمن خارطة الأحداث الرياضية البارزة التي باتت تحظى بتغطية إعلامية عالمية.