الحافلات لا تكفي … على الجزائر أن تقتدي بالمغرب في الحكمة السياسية لا في عدد الأساطيل 

تتقدم عملية اقتناء عشرة آلاف حافلة جديدة في الجزائر نحو التنفيذ، بعد إعلان الشركة الصينية المصنعة عن شحن دفعة أولى تضم ثلاثة آلاف وحدة متجهة إلى السوق الجزائرية. ويقدم هذا المشروع بوصفه خطوة لتحسين خدمات النقل العمومي وتخفيف الضغط عن المدن، في سياق اجتماعي واقتصادي يتطلب حلولاً عملية ومستدامة.

 

غير أن تحديث أسطول النقل، مهما بلغت أهميته، يظل إجراء تقنيا محدود الأثر إذا لم يكن جزءا من رؤية شاملة وواضحة للتنمية. فالتجربة المغربية تظهر أن إصلاح النقل العمومي لم يكن قرارا معزولا أو ظرفيا، بل جاء ضمن مسار متكامل يقوم على التخطيط بعيد المدى، وربط الاستثمار العمومي بالحكامة الجيدة، وضمان الاستقرار السياسي والمؤسساتي كشرط أساسي لإنجاح أي ورش تنموي.

 

لقد اختار المغرب، منذ سنوات، السير بخطوات ثابتة ومدروسة، واضعا التنمية في صلب اختياراته الاستراتيجية، ومدركا أن تحسين عيش المواطن يبدأ من السياسات الرصينة قبل المشاريع القطاعية. لذلك، فإن اقتناء الحافلات في التجربة المغربية لم يكن هدفاً في حد ذاته، بل نتيجة طبيعية لسياسة متزنة ورؤية واقعية، جعلت من النقل رافعة للتنمية الحضرية والاجتماعية.

 

ومن هذا المنظور، فإن الجزائر، وهي تسير اليوم في اتجاه تحديث أسطولها، تبدو وكأنها تتبع المسار المغربي من حيث الشكل، لكنها مدعوة إلى الاقتداء به في الجوهر أيضا. فالتنمية الحقيقية لا تقاس بعدد الحافلات المستوردة، بل بقدرة الدولة على بناء سياسات متناسقة، وإدارة الخلافات بعقلانية، واعتماد خطاب مسؤول يُعلي من منطق التعاون وحسن الجوار.

 

إن عودة الجزائر إلى صوابها لا تمر عبر مشاريع معزولة، بل عبر مراجعة شاملة لاختياراتها السياسية، والانخراط في نهج متزن يقوم على بعد النظر والاستقرار، كما فعل المغرب. فحين تكون الرؤية واضحة والسياسة رشيدة، تتحول الحافلات من مجرد وسائل نقل إلى عنوان لمسار تنموي ناجح، أما دون ذلك، فتبقى مجرد أرقام لا تصنع الفرق.

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد