(بقلم: هالة طاهري و م ع)
يتنفس هواة تسلق الأعالي في إملشليل الصعداء، بعد أن غاصت أقدامهم في الثلوج، على مدى ساعات طوال، وقد لسعت وجوههم هبات رياح جليدية. تباعا، يتكئون على اللوحة التي تشير إلى القمة. هناك، يتوقف كل منهم لحظة ليلتقط أنفاسه.. ومعها صورا للذكرى. ينتاب المرء هناك شعور غامر بالراحة، ولو كان عابرا، فما أن يبلغ المتسلقون جبل باب نوياد حتى يتقلب مزاج السماء دون سابق إنذار، وتعلن أصوات الطبيعة أن وقت الرحيل يداهمهم.
غدا المناخ قاسيا بالفعل، بينما بدا جبل باب نوياد، أحد أشهر قمم إملشيل (إقليم ميدلت)، مغمورا بالندف الثلجية التي تداعب، في السهل، سطح بحيرة تسليت بقرية إملشيل في الأطلس الشرقي. الرياح تثير الثلوج في الأفق، لتحد من مدى الرؤية، ويتحول المجال المحيط بالمتسلقين إلى بياض ناصع مبهر. وعلى ارتفاع 2804 أمتار، تبدأ أولى آثار العلو الشاهق في الظهور على الجسد.. وعلى النفس معا.
المتسلقون، الذين تبدو عليهم آثار ضيق التنفس في هذه الأجواء، معتادون على ممارسة هذه الرياضة الشاقة، ويحرصون على شرب الماء بين الحين والآخر. وعلى الرغم من صعوبة المسار، تنعتش طاقتهم بفكرة مطمئنة تلوح في الأفق، بوصولهم إلى المأوى، حيث تنتظرهم مدفأة تمنح شيئا من الحرارة لأقدامهم. هناك، تنتظرهم أيضا أكواب الشاي الساخن بسخاء يقدمها لهم أهل القرية. لسعة الشاي الساخن تبعث على الارتياح الشديد ولو كانت تلذع اللسان في البداية. بلسم دفء حقيقي يجد طريقه مباشرة إلى نفوس المتسلقين. عندها تتبدد كل مشاعر القلق أو الانزعاج.
لكن إلى ذلك الحين، يظل الهدف بعيد المنال. إذ ينبغي للمتسلقين الحرص على النزول بسلام. وبنظرة خاطفة من الأعلى تلوح سلسلة أخرى من المتنزهين يشق أفرادها تباعا طريقهم ببطء صعودا وقد أحنوا رؤوسهم، يحرصون على أن يظل إيقاع تسلقهم متناغما على المسارات التي خطها السابقون، بين دروب وعرة تتطلب من المرء أن يعرف أين يضع قدمه. السير قدما خطوة بعد خطوة يفرض على المتسلقين عدم رؤية كل المشاهد المحيطة به وإن كانت الصورة الكاملة تبدو – من بعيد – واضحة جلية.
يحرص دليلان، أحدهما في بداية الركب والآخر في نهايته، على بقاء الجميع ضمن المجموعة. الشغوفون بمثل هذا النوع من النزهات يعرفون أهمية روح الفريق وإن كان الاعتماد على الذات ضروريا. الخطاب الداخلي لدى كل واحد من أفراد المجموعة هو الذي يحدد روعة هذه التجربة. في أجواء يغلب عليها الصمت ينتصب أمام كل واحد هدف تجاوز قدراته الذاتية بعزم لا يلين. ومع ذلك، يختار بعضهم الانسحاب في منتصف الطريق، مفضلين الراحة المألوفة على مكابدة مصاعب الجبل.
وعلى الجانب الآخر، يكشف باب نوياد عن وجه أكثر سكونا، وعن اتساع يبعث لدى المرء الشعور بمدى ضآلته: سلاسل بعيدة تحت سماء مضطربة، تشقها غيوم معلقة. وخلف هذا السحر الظاهر، يظل قلب الجبل مصنوعا من حجر، وتنتصب الجرف صامتة مهيبة، لتعلم المتسلق مقاومة غواية اللحظة العابرة.
“توخوا الحذر! الثلج يبدو متماسكا، لكن هناك جرف سحيق”، يحذر الدليل المحلي، وصوته يصارع الرياح العاتية. وأكد هذا الدليل لوكالة المغرب العربي للأنباء، مفضلا عدم الكشف عن هويته، أن كثيرين يقصدون باب نوياد لممارسة رياضتهم المفضلة، تحت العين الساهرة للمرشدين والسلطات المحلية.
تبدو مرحلة النزول شاقة أيضا، إذ يحتاج الأمر إلى عضلات قوية لامتصاص الصدمات والحفاظ على التوازن. هنا، تنشط بالفعل غريزة البقاء، ويتلاشى كل احتياج غير ضروري. حتى الهاتف يبقى مطمورا في عمق الجيب، وكأنه بات بلا جدوى. يضع الدليل قدمه أولا، يتبعه أوائل المتسلقين، ثم يمضي سائر أفراد الفريق الواحد تلو الآخر. قبل أن يتجلى باب نواياد بكل هيبته، متيحا لكل متسلق فرصة مقارنة نفسه أمام عظمة بهذا البهاء.
وكلما ازدادت حدة النزول، خفت الرياح، لتترك المجال لصمت مهيب، فيما تختلج المرء لحظات من الشك والسكون. وفي نهاية المطاف تهتز مشاعر المتسلقين وهم ينالون – أخيرا – شرف الارتماء بين أحضان هذا الجبل العظيم.
عند الاقتراب من السفح، تظهر سيارة رمادية إلى جانب الطريق، تومض بأضواؤها الزرقاء. لقد حان وقت مغادرة المكان قبل أن يعزل الثلج حركة السير. والوجهة: المأوى الدافئ… بنكهة شاي دافئ متبل.