مستشفى بن صميم… ذاكرة صحية ومشروع تنموي ينتظر الحياة

بقلم: سعيد الذهبي

حتى لا ننسى أنفسنا في خضمّ النقاش العمومي الذي أطلقته احتجاجات جيل GenZ212، وجب التذكير بأنّ أولى علامات الرشد السياسي هي الالتفات إلى الذاكرة الوطنية، لا إلى الكراسي.

فلتسمح لنا الحكومة أن نذكّرها بمثالٍ حيّ على الإهمال المزمن: مستشفى بن صميم للأمراض الصدرية والتنفسية.

شُيّد هذا الصرح سنة 1948 بقرية زاوية بن صميم، التابعة لإقليم إفران بجهة فاس مكناس، من قِبل الحماية الفرنسية، فوق ربوةٍ عالية تحفّها غابةُ البلوط الأخضر على ارتفاع 1511 متراً عن سطح البحر. يمتدّ على مساحة تُقدَّر بـ 35 هكتاراً ويتألّف من ثمانية طوابق، ما يجعله واحداً من أضخم المنشآت الصحية التي عرفها المغرب الحديث في بداياته.

ورغم متانته الهندسية وجاهزيته البنيوية، تُرك المستشفى ليتآكل مع الزمن، بينما تُصرف الملايير في بناء مرافق أقلّ حجماً وجدوى. لا يحتاج هذا الصرح اليوم سوى طلاءٍ جديدٍ، ومعداتٍ طبيةٍ، وإرادةٍ سياسيةٍ صادقة تُعيد إليه الحياة.

 

موقعه المتميّز وسط غابات الأطلس ومناخه العلاجي microclimat يجعلان منه مرشّحاً مثالياً ليكون قطباً للسياحة الطبية، لا فقط وطنياً بل دولياً. فالمنطقة تمتاز بنقاء هوائها وهدوء طبيعتها ومناخها الصحي المعروف منذ عقود، وهي مؤهلات لا تُقدّر بثمن.

 

إن إعادة فتح مستشفى بن صميم لن تكون خطوة صحية فحسب، بل قراراً اقتصادياً وتنموياً ذا أبعاد اجتماعية، إذ سيفك العزلة عن منطقة الأطلس عبر توسيع الطرق وتشييد طريق سريع يربط مكناس بإفران، وسيخلق فرص شغل دائمة، ويُنعش الدورة الاقتصادية المحلية لفائدة الساكنة والمقاولات الصغيرة والمتوسطة.

 

كما يمكن تحويله إلى مركب جامعي استشفائي متكامل عبر بناء كلية للطب تابعة لجامعة مولاي إسماعيل، لتكون لبنة في مشروع علمي تطبيقي يجمع بين التكوين والبحث والممارسة، ويجعل من المنطقة قطباً علمياً وصحياً يخدم المغرب بأسره.

 

إحياء مستشفى بن صميم ليس ترفاً ولا حنيناً إلى الماضي، بل استثمار في الذاكرة الوطنية وفي الصحة العمومية والتنمية الجهوية. المطلوب قرار إداري بسيط، لكنه كفيل بأن يبعث الحياة في مؤسسة جاهزة، وبأن يرمّم جزءاً من ثقة المواطنين في دولتهم.

 

الكرة الآن في ملعب الحكومة. فلتُظهر غيرتها الوطنية قبل أن يُسجَّل عليها أنها نسيت حتى أبسط مقوّمات الوفاء للوطن.

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد