صندوق النقد وخارطة تحرير أسعار الوقود في ليبيا تحديات الإصلاح ورؤية التعويضات النقدية

علي البدوي – ليبيا

طرح صندوق النقد الدولي رؤية متكاملة لإصلاح نظام دعم الطاقة في ليبيا تهدف إلى رفع الدعم تدريجياً عن الوقود والكهرباء خلال ثلاث سنوات مقابل تخصيص تحويلات نقدية مباشرة للمواطنين وذلك في محاولة لتقليص الفاقد المالي وقف نزيف التهريب وإعادة توجيه الموارد العامة نحو القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم والبنية التحتية .

 

• فاتورة مرهقة 17 مليار دولار لدعم الطاقة في 2024

 

وفقًا لتقارير الصندوق بلغت كلفة دعم الطاقة في ليبيا نحو 17 مليار دولار في عام 2024 ما يعادل 35% من الناتج المحلي الإجمالي وأكثر من ثلث إيرادات الدولة ويشمل هذا الرقم دعم الوقود والكهرباء والغاز المستخدم في توليد الطاقة في وقتٍ تستورد فيه ليبيا نحو 90% من البنزين و70% من الديزل بسبب ضعف قدرات التكرير المحلية على الرغم من ثروتها النفطية الهائلة .

 

القفزة في فاتورة الوقود تعود إلى ارتفاع الواردات من 3 مليارات دولار سنويًا قبل 2019 إلى 9 مليارات دولار في 2024 بالتوازي مع نظام المقايضة بالنفط الخام الذي أطلقته المؤسسة الوطنية للنفط منذ أواخر 2021 لتعويض عجز الميزانية .

 

• دعم غير عادل يغذي الفساد والتهريب

 

يرى صندوق النقد أن النظام الحالي لدعم الوقود غير عادل إذ يستفيد منه الأثرياء أكثر من الفقراء ويشجع على أنشطة التهريب العابر للحدود وتشير التقديرات إلى أن ما يقارب 30% من الوقود المستورد يُهرّب إلى دول الجوار في ظل غياب الرقابة الفعالة ووجود جماعات مسلحة تُسيطر على شبكات التهريب

ويقدر الصندوق أن الفرق بين الأسعار المحلية والعالمية يحقق أرباحًا تصل إلى 0.7 دولار لكل لتر يُهرّب ما يوفر عائدات غير مشروعة تتجاوز 3 مليارات دولار سنويًا لجهات نافذة هذا الواقع يعمّق الفساد ويضعف قدرة الدولة على التحكم في مواردها .

 

•خارطة طريق لرفع الدعم تدرج في الأسعار ودعم نقدي مباشر

 

يقترح الصندوق تنفيذ خطة تدريجية لإلغاء الدعم على مدى ثلاث سنوات تبدأ برفع سعر لتر البنزين من 0.15 دينار إلى 1.5 دينار في السنة الأول ثم إلى 3.3 دينار في نهاية الفترة كما تشمل الخطة رفع تعريفة الكهرباء تدريجيًا من 0.04 دينار إلى 0.5 دينار للكيلو واط مع إلغاء دعم الغاز المخصص لتوليد الكهرباء على مدى خمس سنوات.

 

لتخفيف العبء على المواطنين أوصى الصندوق بمنح تحويلات نقدية مباشرة تبدأ بـ217 دينارًا للفرد شهريًا في العام الأول لتصل إلى 509 دنانير شهريًا في العام الخامس ويمكن تنفيذ هذه التحويلات من خلال برامج اجتماعية قائمة يمكن توسيع نطاقها بسهولة بحيث تشمل جميع المواطنين أو تُخصص للفئات الأكثر حاجة .

 

• إصلاح يبدأ بالرقمنة والشفافية

 

يشدد صندوق النقد على أن نجاح هذه الخطة يعتمد على إصلاح منظومة التوزيع والتحصيل قبل رفع الأسعار ويقترح إنشاء لجنة وطنية مستقلة لتقييم الاحتياجات الحقيقية من الوقود وإطلاق نظام رقابة رقمي يضمن تتبع حركة الوقود من الاستيراد إلى البيع النهائي لمنع التسرب والتهريب .

 

كما يوصي الصندوق بإطلاق حملة تواصل وطني شاملة تهدف إلى توعية المواطنين بحجم الخسائر الناجمة عن الدعم غير المستهدف وشرح فوائد الإصلاح وأهمية التدرج في رفع الأسعار مع ضمان العدالة في توزيع الدعم النقدي البديل .

 

• عقبات سياسية وأمنية تهدد المسار

 

رغم أهمية الخطة يحذر صندوق النقد من وجود عراقيل جدية على رأسها الانقسام السياسي وغياب حكومة موحدة ووجود مجموعات مسلحة تستفيد من التهريب وقد تعارض أي إصلاح يُهدد مصالحها كما أن ضعف الثقة بين المواطنين والمؤسسات الرسمية يُعدّ عائقًا أمام تقبّل خطة رفع الدعم خاصة في ظل التجارب الفاشلة السابقة .

 

• خاتمة

إصلاح الدعم ليس خيارًا بل ضرورة

 

الخطة التي يقترحها صندوق النقد الدولي لا تطرح رفع الدعم بوصفه إجراءً تقشفياً بل كخطوة استراتيجية لإعادة بناء الاقتصاد الليبي على أسس أكثر عدالة وكفاءة التحدي الأكبر لا يكمن في القرار الاقتصادي نفسه بل في إرادة التنفيذ والاستعداد لمواجهة شبكات الفساد وبناء الثقة مع المواطن وبينما ترتفع فاتورة الدعم عامًا بعد آخر يبقى تأجيل الإصلاح مكلفًا على حساب مستقبل الأجيال القادمة .

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد