* بقلم: ش. يونس آيت الحاج
ما حدث في طهران لم يكن مجرد حادث عسكري عابر، بل رسالة استراتيجية موجهة مباشرة إلى بنية النظام الإيراني، الذي لطالما روّج لنفسه كقلعة منيعة ضد الاختراقات. مقتل اللواء غلام رضا محرابي، رئيس الاستخبارات في هيئة الأركان العامة، واللواء مهدي رباني، نائب رئيس شؤون العمليات، في قلب العاصمة، لم يُسجل فقط خسارة في الصف القيادي العسكري، بل كشف عن هشاشة أمنية غير مسبوقة، تضرب عمق المؤسسة العسكرية الإيرانية.
استهداف شخصيات بهذا الثقل، وفي هذا التوقيت الحرج، يطرح تساؤلات كبرى حول مدى تغلغل قدرات الخصوم داخل العمق الإيراني، بل يطرح أيضًا علامات استفهام حول نجاعة التحالفات التي عقدتها طهران عبر مناطق نفوذها الممتدة.
لكن، الأهم أن هذه الرسالة لم تكن موجهة فقط إلى إيران. بل إلى كل من اختار الاصطفاف معها، سياسيًا أو أيديولوجيًا أو حتى لوجستيًا. ففي شمال إفريقيا، برزت خلال السنوات الأخيرة بوادر تقارب علني ومستتر مع طهران من طرف بعض الأنظمة، التي اختارت أن تفتح الباب لشراكات مشبوهة، وتمنح هامش حركة لكيانات مرتبطة عضوياً بالمشروع الإيراني، تحت ذرائع السيادة أو “التوازنات الاستراتيجية”.
في بعض هذه العواصم، تحوّل الدعم العسكري واللوجستي لكيانات انفصالية إلى أداة مساومة إقليمية، وفي الخلفية، يظهر أكثر من طرف خارجي مستفيد من حالة التوتر، وفي مقدمتهم الحرس الثوري الإيراني وأذرعه غير الرسمية، الذين وجدوا بيئة خصبة لتوسيع نفوذهم تحت غطاء التضامن والدعم.
هل تدرك تلك العواصم أو “العاصمة” أن التموضع إلى جانب نظام يواجه تصعيداً إقليميًا ودوليًا واسع النطاق، قد لا يكون خيارًا آمنًا على المدى المتوسط؟
وهل الرهان على محاور غير مستقرة ومشبعة بالأيديولوجيا، يمكنه فعلاً أن يضمن المصالح، أم أنه سيتحول إلى عبء ثقيل، قد يُستغل ضدها في لحظة فارقة؟
في ظل هذا التصعيد، وتحوّل العمق الإيراني إلى ساحة ضربات مركّزة، يبدو أن بعض السياسات في شمال إفريقيا تراهن على تحالفات من طبيعة متفجرة، تتبنى خطابًا راديكاليًا وتدعم قضايا هامشية لتعزيز أوراقها التفاوضية، لكنها بذلك تغامر بأمنها الإقليمي، وتُقحم نفسها في دوائر نزاع أكبر منها.
ويبقى السؤال: هل ستعيد هذه العاصمة الإفريقية، التي تُراقب بحذر تقاطع النيران في طهران، النظر في خياراتها الإقليمية؟
أم أن وهم “التحالفات البديلة” سيبقى مسيطرًا، حتى حين تصبح هي نفسها مكشوفة أمام ذات المخاطر التي تراها اليوم تضرب شريكها الإيراني؟