قالت فاتو بنسودا، المدعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية، إنها تعرّضت لسنوات من الضغوط والترهيب خلال عملها في لاهاي، لكنها لم تفكر يوماً في التراجع عن مهامها. وتقول: «نظام روما كان رئيسي في« كنت أُعامل كمجرمة »
قالت فاتو بنسودا، المدعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية، إنها تعرّضت لسنوات من الضغوط والترهيب خلال عملها في لاهاي، لكنها لم تفكر يوماً في التراجع عن مهامها. وتقول: «نظام روما كان رئيسي في العمل»، في إشارة إلى المعاهدة المؤسِّسة للمحكمة.
وفي حديث لمجلة «جون أفريك»، كشفت بنسودا تفاصيل ما وصفته بأنه معاملة قاسية من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد تحقيقاتها في جرائم حرب مزعومة في أفغانستان والأراضي الفلسطينية المحتلة. فقد أُلغيت تأشيرتها إلى الولايات المتحدة عام 2019، ثم جُمّد وصولها إلى حساباتها المصرفية الخاضعة للولاية الأمريكية عام 2020، فيما قدّم أشخاص مجهولون إلى منزلها في هولندا.
ضغوط وتخويف
روت بنسودا أن الضغوط الأمريكية بدأت قبل فرض العقوبات الرسمية، إذ كانت تتعرض عند دخولها الولايات المتحدة لإجراءات مهينة، إذ ينتظرها موظفو الهجرة عند باب الطائرة ويصطحبونها كما لو كانت متهمة بجريمة. وقالت إنها نُقلت في ثلاث مناسبات على الأقل إلى قاعات مخصصة لمن يواجهون مشكلات في التأشيرات، حيث انتظرت أكثر من ساعة قبل السماح لها بالدخول.
كما أفادت بأن عائلتها ضغطت عليها للاستقالة خوفاً على سلامتها، بعد ظهور أشخاص مجهولين أمام منزلها في هولندا. غير أنها أكدت أنها لم تتنازل عن استقلال عملها رغم تلك الظروف.
مسيرة من غامبيا إلى لاهاي
بدأت قصة بنسودا في حي «هاف داي» الشعبي في بانجول، عاصمة غامبيا، حيث وُلدت لوالد كان سائقاً في خدمة الحكومة. وتقول إنها منذ صغرها كانت تدافع عن الآخرين، وتضيف: «كنت أتشاجر في قضايا ليست قضاياي؛ كنت أكره ببساطة أن أرى الظلم».
وعندما كانت في الحادية عشرة، رافقت جارة تعرضت للضرب إلى مركز الشرطة لتقديم شكوى. وفي المرحلة الثانوية، كانت تحضر المحاكمات في قاعات الجلسات، وهو ما مهّد لاختيارها القانون مساراً مهنياً.
من منصب حكومي إلى المحكمة الدولية
شغلت بنسودا منصب المدعية العامة في غامبيا في عهد الرئيس يحي جامع، قبل أن تصبح المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية بين عامي 2012 و2021، لتكون أول امرأة وأول إفريقية تتولى هذا المنصب.
وخلال عملها في المحكمة، أجرت تحقيقات في جرائم حرب مزعومة في أفغانستان والأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي ملفات أثارت غضب واشنطن وتل أبيب. ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة «الغارديان»، فإن رئيس الموساد الإسرائيلي السابق كان قد وجّه إليها تهديداً شخصياً بهدف إفشال التحقيق المتعلق بفلسطين.
العقوبات والرد الأمريكي
في أبريل 2019، أكدت وزارة الخارجية الأمريكية إلغاء تأشيرة بنسودا، وقالت إن واشنطن «ستتخذ الخطوات اللازمة لحماية سيادتها وشعبها من أي تحقيق أو مقاضاة ظالمة من المحكمة الجنائية الدولية».
وفي يونيو 2020، وسّعت إدارة ترامب العقوبات لتشمل تجميد أصولها وحساباتها الخاضعة للولاية الأمريكية، في خطوة وصفها مكتبها حينها بمحاولة غير مقبولة للتدخل في سير العدالة والعمل القضائي للمحكمة.
بعد المحكمة
منذ عام 2022، تتولى فاتو بنسودا منصب المفوض السامي لغامبيا لدى المملكة المتحدة، بعد مسيرة قانونية ودبلوماسية جعلتها من أبرز الشخصيات الإفريقية في ملف العدالة الجنائية الدولية.
ورغم كل ما تعرضت له، تختصر بنسودا موقفها بعبارة واحدة: لم تكن تخدم حكومة أو سلطة سياسية، بل كانت تعمل وفق «نظام روما» الذي يضمن استقلال المحكمة الجنائية الدولية.