انتخابات إسبانيا المبكرة.. اختبار داخلي وانعكاسات مباشرة على العلاقة مع المغرب

لم تكن دعوة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى انتخابات مبكرة يوم 29 نوفمبر المقبل مجرد رد فعل على إسقاط البرلمان لإجراءات حكومية مرتبطة بأزمة السكن، بل تعكس عمق الصعوبات التي تواجهها الحكومة في إدارة مرحلة سياسية تتسم بتشتت الخريطة البرلمانية وصعوبة بناء توافقات مستقرة.

سانشيز، الذي يحكم منذ عام 2018، وجد نفسه أمام معادلة معقدة: حكومة تستطيع الاستمرار، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في تمرير القوانين والميزانيات. ولذلك اختار اللجوء إلى الناخبين، أملاً في الحصول على أغلبية أكثر وضوحاً تسمح له بمواصلة برنامجه السياسي.

وتأتي الانتخابات في وقت أصبحت فيه أزمة السكن واحدة من أبرز القضايا التي تشغل المجتمع الإسباني. ارتفاع أسعار الإيجارات والمنازل، إلى جانب الاحتجاجات التي شهدتها مدريد ومدن أخرى، جعلت السكن قضية انتخابية بامتياز. لكن الأزمة السياسية أوسع من ذلك، وتشمل أيضاً العلاقة الصعبة بين الحكومة والأحزاب التي تعتمد عليها للحصول على الأغلبية البرلمانية، فضلاً عن الضغوط التي تواجهها بسبب ملفات سياسية وقضائية مختلفة.

المغرب حاضر في الحسابات الانتخابية

رغم أن الانتخابات إسبانية بالدرجة الأولى، فإن المغرب لن يكون بعيداً عن النقاش السياسي، خصوصاً في ما يتعلق بالهجرة وسبتة ومليلية وأمن الحدود.

فالعلاقة بين مدريد والرباط شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولاً مهماً، خصوصاً بعد الموقف الإسباني الجديد من قضية الصحراء المغربية، وتطور التعاون بين البلدين في مجالات الأمن والهجرة والاقتصاد. وقد أصبح المغرب بالنسبة إلى إسبانيا شريكاً مهماً في إدارة عدد من الملفات الاستراتيجية، وفي مقدمتها مكافحة الهجرة غير النظامية ومكافحة الإرهاب والتعاون الأمني.

لكن هذه العلاقة لن تكون بمنأى عن التجاذبات الداخلية الإسبانية. فقضية سبتة، خصوصاً بعد أزمة الهجرة الأخيرة، يمكن أن تتحول إلى مادة انتخابية تستخدمها المعارضة لمساءلة حكومة سانشيز حول أمن الحدود وسياسة الهجرة وطريقة إدارة العلاقة مع المغرب.

وهنا تكمن حساسية الموضوع: فمدريد تحتاج إلى استمرار التعاون مع الرباط، بينما تستطيع المعارضة توظيف ملفات الهجرة وسبتة ومليلية في الخطاب الانتخابي الداخلي.

هل يمكن أن تتغير السياسة الإسبانية تجاه المغرب؟

ليس بالضرورة. فالسياسة الخارجية لا تتغير آلياً بمجرد تغير الحكومة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمصالح استراتيجية مشتركة.

إسبانيا والمغرب تربطهما مصالح اقتصادية وأمنية وتجارية كبيرة، إضافة إلى التعاون في مجال الهجرة. كما أن البلدين مقبلان على استحقاق كبير يتمثل في تنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب البرتغال، وهو ما يجعل الاستقرار في العلاقات الثنائية مصلحة مشتركة.

لذلك، فإن السؤال الأساسي بعد الانتخابات لن يكون فقط: من سيحكم إسبانيا؟ بل أيضاً: هل ستستمر مدريد في النهج الذي جعل المغرب شريكاً استراتيجياً، أم ستدخل العلاقة مرحلة جديدة من المراجعة؟

من المتوقع أن تحاول الأحزاب الإسبانية خلال الحملة الانتخابية تقديم مواقف مختلفة بشأن الهجرة وأمن الحدود والعلاقات الخارجية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة القطيعة مع المسار العام للتعاون مع المغرب.

وفي المقابل، من مصلحة المغرب، أن يتعامل بحذر مع الاستحقاق الإسباني، وأن يتجنب الدخول في التجاذبات الحزبية الداخلية، خصوصاً أن أولويتها تتمثل في الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع مدريد، وتعزيز موقعها في ملف الصحراء، ومواصلة التعاون الاقتصادي والأمني، والاستعداد للاستحقاقات الكبرى المقبلة، وعلى رأسها مونديال 2030.

في النهاية، ستكون انتخابات 29 نوفمبر اختباراً مزدوجاً: اختباراً لقدرة النظام السياسي الإسباني على إنتاج أغلبية مستقرة، واختباراً أيضاً لاستمرارية التوازنات التي حكمت العلاقات الإسبانية المغربية خلال السنوات الأخيرة. وما سيحدث في مدريد ستكون له، بحكم الجغرافيا والمصالح المشتركة، انعكاسات تتجاوز الحدود الإسبانية لتصل مباشرة إلى الرباط وسبتة ومليلية والبحر الأبيض المتوسط ككل.

لحبيب شباط. صحفي و محلل سياسي. خبير في الشأن الاسباني

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد