في سياق دبلوماسي دولي يتسم بتحول تدريجي في موازين القوى حول ملف الصحراء المغربية، تبرز إشارات متزايدة إلى تقارب في المواقف بين الرباط وموسكو، خاصة بعد اعتماد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار 2797 في 31 أكتوبر 2025، الذي كرس مبادرة الحكم الذاتي المغربية كأساس جدي وواقعي للتسوية السياسية للنزاع الإقليمي.
ما يحمله التوافق الروسي-المغربي من دلالات
على الرغم من أن روسيا امتنعت عن التصويت على القرار 2797، فإن تصريحات مسؤولين روس في الأشهر الأخيرة تعكس نبرة أكثر انفتاحاً تجاه المبادرة المغربية. ففي لقاء على هامش الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2026، أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن “مخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب يمكن أن يشكل حلاً ناجحاً إذا حظي بموافقة الأطراف المعنية وتحت إشراف الأمم المتحدة”.
هذا الموقف، وإن بدا متحفظاً، يمثل تحولاً نوعياً مقارنة بالغموض الذي طبعه الموقف الروسي لسنوات، حيث كانت موسكو تكتفي بالإشارة إلى ضرورة التوصل إلى حل “عادل ودائم” دون الإشارة صراحة إلى أي من المقترحات المطروحة.
انعكاسات على اجتماعات مجلس الأمن
إن أي تقارب روسي-مغربي حول مبادرة الحكم الذاتي يحمل انعكاسات مباشرة على دينامية العمل داخل مجلس الأمن، خاصة في ظل التجديد السنوي لولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو) الذي ينتهي في 31 أكتوبر 2026.
1. تقليص هامش المناورة الجزائرية-البوليسارية
الامتناع الروسي عن عرقلة القرار 2797، بل والإشارة الإيجابية إلى المبادرة المغربية، يحد من قدرة الجزائر وحليفتها جبهة البوليساريو على حشد دعم دولي لمقترح الاستفتاء، الذي أصبح في خبر كان بعد أن كرّس المجتمع الدولي خيار الحكم الذاتي كإطار وحيد للتفاوض.
2. تعزيز شرعية المبادرة المغربية
دعم 11 عضواً في مجلس الأمن للقرار 2797، مع امتناع ثلاثة فقط (روسيا، الصين، باكستان)، يمنح المبادرة المغربية ثقلاً دبلوماسياً غير مسبوق، خاصة أن القرار يعتبرها “الأساس الأنجع” للتوصل إلى حل سياسي نهائي.
3. تمهيد الطريق لاعترافات إضافية
التقارب الروسي-المغربي قد يفتح الباب أمام اعترافات إضافية من دول كانت تتردد في الانحياز لأي طرف، خاصة في أفريقيا وآسيا، حيث تحتفظ موسكو بنفوذ دبلوماسي واقتصادي كبير.
المشهد الدولي المتغير
في هذا السياق، تبرز عدة معطيات تعزز من موقع المغرب الدبلوماسي:
الولايات المتحدة: تواصل دعمها الصريح للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو موقف تبنى منذ ديسمبر 2020 ولا يزال قائماً.
الاتحاد الأوروبي: دول كبرى مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة تدعم المبادرة المغربية بشكل علني.
دول الخليج: جددت دول مجلس التعاون الخليجي دعمها الثابت لمغربية الصحراء وللمبادرة المغربية، معتبرة إياها حلاً واقعياً وقابلاً للتطبيق.
دول أفريقية: أعلنت غالبية الأفريقية دعمها للمقترح المغربي.
خلاصة
التوافق الروسي-المغربي المتنامي حول مبادرة الحكم الذاتي ليس مجرد تقارب ثنائي، بل هو مؤشر على تحول أعمق في المشهد الدولي حول قضية الصحراء. فبعد عقود من الجمود، أصبح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الخيار الوحيد الجدي على طاولة المفاوضات، والدعم المتزايد من قوى كبرى مثل روسيا يعزز من شرعيته ويحد من هامش مناورة الخصوم. وفي انتظار اجتماعات مجلس الأمن المقررة في أكتوبر 2026، يبدو أن الكفة تميل أكثر فأكثر لصالح الرباط في هذا الملف الاستراتيجي.