زيارة الملك الإسباني إلى سبتة ومليلية: بين الرمزية السياسية وحسابات المصالح الاستراتيجية

تتجه الأنظار نحو منتصف أكتوبر الجاري، حيث من المقرر أن يقوم العاهل الإسباني فيليبي السادس والملكة ليتيثيا بزيارة إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، في خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ اعتلاء فيليبي السادس العرش عام 2014، وبعد نحو 19 عاماً على آخر زيارة ملكية إسبانية للمدينتين.

تفاصيل الزيارة والسياق الرسمي

أفادت صحف إسبانية، نقلاً عن مصادر من القصر الملكي الإسباني، بأن الزيارة تم الاتفاق عليها مع الحكومة الإسبانية، على أن تجري يومي 13 و14 أكتوبر، دون الكشف بعد عن ترتيب المدينتين أو تفاصيل البرنامج الرسمي.

ومن المرتقب ألا يرافق رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز الملك والملكة خلال الزيارة، في حين كانت السلطات الإسبانية قد وعدت بالكشف عن تفاصيل البرنامج في الأيام المقبلة.

ذاكرة دبلوماسية مثقلة: زيارة 2007 وأزمة الرباط

تكتسي الزيارة أهمية خاصة في المغرب، بالنظر إلى أن آخر زيارة ملكية إسبانية إلى سبتة ومليلية، التي قام بها خوان كارلوس الأول والملكة صوفيا يومي 6 و7 نونبر 2007، فجرت أزمة دبلوماسية حادة مع الرباط، التي اعتبرت الزيارة استفزازاً للسيادة المغربية، واستدعت سفيرها في مدريد للتشاور.

ومنذ ذلك الحين، ظلت المدينتان نقطة حساسة في العلاقات المغربية الإسبانية، تتفجر بين الفينة والأخرى على خلفية أحداث ميدانية أو تصريحات سياسية.

أزمة يوليوز 2026: تدفق المهاجرين وإعادة الملف إلى الواجهة

تأتي الزيارة الجديدة بعد أزمة سبتة خلال يوليوز الماضي، عندما شهدت المدينة تدفقاً جماعياً للمهاجرين ومحاولات واسعة للعبور من الجانب المغربي، ما أعاد ملف المدينة إلى واجهة العلاقات المغربية الإسبانية، وفتح نقاشاً حول إدارة الحدود والتعاون الأمني بين البلدين.

وكان رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز قد أعلن في نهاية غشت الماضي أن الملك سيزور سبتة، مؤكداً أن الزيارة ستتم عندما تتوفر “الظروف المناسبة”. كما أجرى فيليبي السادس اتصالات مع المسؤولين الإسبان بشأن الوضع في المدينة، واستقبل رئيس سبتة خوان فيفاس في قصر ماريفينت يوم 6 غشت.

قراءة سياسية: الرمزية لا تلغي المصالح

في تعليق له على ما أعلنه القصر الملكي الإسباني، أكد الصحفي لحبيب شباط، المحلل السياسي والخبير في الشأن الإسباني ، أن زيارة العاهل الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية تحمل، بطبيعة الحال، دلالات سياسية ورمزية، خصوصاً في ظل حساسية المدينتين في العلاقات المغربية الإسبانية.

لكن من المهم، حسب شباط، قراءة هذه الزيارة ضمن السياق العام للعلاقات بين البلدين، وليس باعتبارها مؤشراً بالضرورة على عودة التوتر.

“المغرب، من جهته، لا يبدو معنياً في المرحلة الحالية بتوتير علاقاته مع إسبانيا، لأن لديه أولويات استراتيجية أكبر، وفي مقدمتها قضية الصحراء، إضافة إلى المصالح المشتركة المتنامية بين البلدين.”

ويضيف شباط: “تنظيم كأس العالم 2030 بشكل مشترك بين المغرب وإسبانيا والبرتغال يفرض مستوى عالياً من التنسيق والتعاون، لذلك قد تختلف المواقف والرموز السياسية حول سبتة ومليلية، لكن المصالح الاستراتيجية بين الرباط ومدريد أصبحت أوسع من أن تختزل في ملف واحد.”

الرباط ومدريد: إدارة الملفات الحساسة دون قطع جسور التعاون

يرى شباط أن الأرجح أن يحاول الطرفان إدارة هذه الملفات الحساسة بما يحافظ على التعاون الثنائي، مع استمرار كل طرف في التعبير عن مواقفه ومصالحه.

“الأزمة الدبلوماسية ليست قدراً محتوماً، بل هي خيار سياسي. والمغرب وإسبانيا يدركان أن تكلفة التوتر أعلى من كلفة إدارة الاختلاف.”

ملفات مشتركة تتجاوز سبتة ومليلية

في الخلفية، تبرز عدة ملفات تجعل من مصلحة البلدين الحفاظ على استقرار العلاقات:

قضية الصحراء: حيث يراهن الرباط على دعم مدريد لمقترح الحكم الذاتي، في وقت تشهد فيه الموقف الإسباني تحولاً تدريجياً نحو الاعتراف بالسيادة المغربية.

التعاون الأمني ومكافحة الهجرة غير النظامية: ملف حيوي للطرفين، خاصة بعد أحداث يوليوز الأخيرة.

كأس العالم 2030: مشروع مشترك يفرض تنسيقاً لوجستياً وأمنياً واقتصادياً غير مسبوق.

التبادل التجاري والاستثمارات: إسبانيا من أهم الشركاء التجاريين للمغرب، والعكس صحيح.

زيارة محسوبة المخاطر

زيارة فيليبي السادس وليتيثيا إلى سبتة ومليلية ليست مجرد طقس بروتوكولي، بل هي رسالة سياسية موجهة داخلياً في إسبانيا، وخارجياً إلى المغرب والاتحاد الأوروبي. لكن في ظل المصالح المتشابكة بين الرباط ومدريد، يبدو أن الطرفين يدركان أن إدارة الاختلاف أفضل من تصعيده.

وكما يلخص لحبيب شباط إلى أن:“العلاقات المغربية الإسبانية اليوم أعمق من أن تهزها زيارة، وأقوى من أن تكسرها رمزية. المصالح المشتركة هي التي تحكم المعادلة، وليس العكس.”

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد