أسفرت الانتخابات التشريعية المغربية ليوم 23 شتنبر 2026 عن مشهد برلماني يتركز فيه التمثيل الفعلي في يد عشرة أحزاب فقط تمكنت من تشكيل فرق أو مجموعات برلمانية في مجلس النواب، بينما بقي أكثر من عشرين حزبا مشاركا خارج هذه العتبة، بعضها لم يتجاوز مائة صوت، بل إن هناك أحزاب لم تحصل على صوت واحد في صناديق الاقتراع.
هذا الواقع يطرح سؤالا مؤسسيا وقانونيا جوهريا: إلى أي حد يتوافق استمرار تمويل هذه الأحزاب من المال العام، قبل الانتخابات وبعدها، مع مقتضيات القانون المؤطر لتأسيس الأحزاب وتدبيرها، لا سيما في ظل استمرار عدد من زعمائها في تولي الأمانة العامة أو الرئاسة لفترات تتجاوز ما يسمح به النص؟
قراءة في النتائج: عشرة أحزاب تهيمن، وعشرون خارج المعادلة
بحسب النتائج النهائية التي أعلنتها وزارة الداخلية في 25 شتنبر 2026، توّعت مقاعد مجلس النواب الـ395 على النحو التالي:
الأصالة والمعاصرة (PAM): 97 مقعدًا
التجمع الوطني للأحرار (RNI): 66
الاستقلال (PI): 65
العدالة والتنمية (PJD): 54
الحركة الشعبية (MP): 29
الاتحاد الاشتراكي (USFP): 26
التقدم والاشتراكية (PPS): 19
الاتحاد الدستوري (UC): 17
الحركة الديمقراطية الاجتماعية (MDS): 8
تحالف اليسار (AG): 8
جبهة القوى الديمقراطية (FFD): مقعدان
حزب الإنصاف (PE): مقعدان
حزب الديمقراطيين الجدد (PND): مقعد واحد
حزب الوحدة والديمقراطية (PUD): مقعد واحد
من خلال هذه الأرقام، يتبين أن عشرة أحزاب فقط هي التي تملك كتلة برلمانية ذات وزن سياسي حقيقي (من 8 مقاعد فما فوق)، بينما توزعت المقاعد المتبقية على أربعة أحزاب صغيرة جدا (مقعدان أو مقعد واحد)، وبقيت غالبية الأحزاب دون أي تمثيل في برلمان وهذا تكرر في عدة ولايات تشريعية، بل إن بعضها لم يتجاوز عتبة المائة صوت في الانتخابات الأخيرة.
إشكالية التمويل العمومي للأحزاب غير الممثلة
ينظّم القانون رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، ولاسيما الباب المتعلق بالتمويل، منح مساعدات مالية عمومية للأحزاب المعترف بها، سواء تعلق الأمر بـ:
تمويل الحملات الانتخابية (تشريعية، محلية، إلخ).
منح سنوية لتسيير الإدارات الحزبية وتنظيم لقاءات تأطيرية للمواطنين.
غير أن استمرار استفادة أحزاب لم تحقق أي تمثيل برلماني، بل لم تحصل أحيانا على أصوات كافية لتبرير وجودها الانتخابي، من هذه المنح، يفتح نقاشا حول: شرعية الاستمرار في التمويل وهل يعقل أن تستفيد أحزاب لم تفز بأي مقعد في عدة ولايات، ولم تتجاوز في بعض الحالات المائة صوت، من أموال دافعي الضرائب؟
وهل يتوافق ذلك مع روح القانون الذي يربط بين الاعتراف الرسمي بالحزب ووجود تمثيلية انتخابية فعلية؟
النجاعة السياسية والديمقراطية التمثيلية
تمويل أحزاب لا تملك أي صوت في البرلمان أو لها صوت واحد او اثنين غالبا ما يهاجر ” يرحل ” لهيئة أخرى، يعني تحويل موارد عمومية إلى هياكل إدارية وقيادية دون مقابل تمثيلي ملموس.
هذا الوضع يزيد من إضعاف ثقة المواطن في جدوى التعددية الحزبية، ويجعلها تبدو وكأنها “سوق أحزاب” أكثر منها نظام تمثيل حقيقي.
الشفافية والمحاسبة
كيف ترصد هذه الأموال؟
ما هي آليات مراقبة صرفها؟
هل تنشر تقارير مفصلة عن استفادة كل حزب، بما في ذلك تلك التي لم تفز بأي مقعد؟
إشكالية استمرار الزعامات الحزبية خارج النص القانوني
القانون 29.11 يحدد شروط تأسيس الأحزاب وهياكلها الداخلية، بما في ذلك فترات تولي المسؤولية داخل الهيئات القيادية، وآليات التجديد عبر المؤتمرات الانتخابية الداخلية. غير أن الممارسة أظهرت:
بقاء بعض الأمناء العامين أو الرؤساء في مواقعهم لعقود، دون احترام واضح لآجال التجديد المنصوص عليها في أنظمة الأحزاب نفسها أو في القانون.
غياب عقوبات فعلية على هذه الخروقات، ما يمنح هذه القيادات استمرارا “واقعيا” رغم عدم توافقها مع “الشرعية القانونية”.
هذا الوضع يطرح أسئلة جوهرية:
كيف يمكن المطالبة باحترام الدستور والقوانين من طرف الأحزاب، في حين أن قياداتها نفسها لا تحترم النصوص المؤطرة لعملها الداخلي؟
هل يمكن قبول تمويل عمومي لأحزاب تقودها هيئات لا تحترم فترات التجديد المنصوص عليها قانونًا؟
لماذا لا يتم ربط الاستفادة من الدعم العمومي باحترام صارم لمقتضيات القانون 29.11، بما في ذلك تجديد القيادات وفق الآجال المحددة؟
أظهرت النتائج الأخيرة للانتخابات التشريعية 2026، هيمنة عشرة أحزاب على المشهد البرلماني، وبقاء أكثر من عشرين حزبا خارج المعادلة، بل إن بعضها لم يحصل على صوت واحد، يضع المغرب أمام استحقاق إصلاح حقيقي.
لا يمكن لنظام ديمقراطي أن يقبل باستمرار تمويل أحزاب لا تملك أي تمثيلية فعلية، ولا أن يتغاضى عن استمرار قيادات حزبية تتجاوز فترات ولايتها المنصوص عليها قانونا. الإصلاح المطلوب ليس تقنيا فحسب، بل سياسي ومؤسسي: إعادة تعريف دور الحزب في النظام الديمقراطي، وربط التمويل العمومي بالتمثيلية الفعلية والالتزام الصارم بالقانون