
لم يكن الاجتماع المنعقد في مدينة بنغازي يومي 15 و16 يونيو 2026 مجرد خلاف بشأن مكان انعقاد مؤتمر برلماني، بل تحول إلى محاولة لـ”سرقة” و”اختطاف ” الشرعية والتمثيل والخروح عن حدود الصلاحيات داخل المجلس البرلماني الآسيوي–الأفريقي.
وتكشف المعطيات المتاحة أن جوهر الأزمة يتمثل في تحرك فردي قاده الكويتي سعود راشد الحجيلان، مستفيداً من طموح رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح في احتضان المؤتمر وتولي رئاسة المجلس، مما أدى إلى تضارب بين المسار الرسمي والشرعي والاتصالات الموازية.
ويكشف بيان وجهه محسن المندلاوي ،في 11 مايو 2026، بصفته رئيس الشرعي المنتخب للمجلس البرلماني الآسيوي–الأفريقي، إلى رؤساء البرلمانات الآسيوية والأفريقية، أكد فيه أن الدعوات المتعلقة باجتماع بنغازي «لا تمت بصلة» إلى المجلس.
كما شدد على أن أي تمثيل رسمي لا بد أن يتم عبر القنوات المؤسسية المعتمدة وتحت إشراف رئاسة المجلس.
ولم يكتفِ البيان بنفي الصفة الرسمية للاجتماع، بل دعا البرلمانات إلى التحقق من الجهة الداعية قبل اتخاذ قرار المشاركة، إلى توضيح وتحديد الجهات المخولة بالتنسيق والتمثيل. وهذا يعني أن الخلاف لم يكن تقنياً أو بروتوكولياً، بل مس مباشرة طبيعة السلطة التي تملك حق الدعوة إلى اجتماعات المجلس وتمثيله أمام الدول والمؤسسات البرلمانية.
تحرك خارج الشرعية و التفويض
بحسب المعطيات المتوفر والمصادر المرتبطة بالواقعة، تحرك سعود الحجيلان منفردا، ووجه خطابا إلى عقيلة صالح، دون الرجوع لرئيس المجلس ، واقترح فيه عقد مؤتمر للمجلس في بنغازي، كما تضمن الخطاب دعما ( غير مفهوم وغير قانوني ) لترشيح عقيلة صالح لرئاسة المجلس. ويقول مستشار رئيس المجلس، محمد الجبيري، إن هذه المبادرة لم تُعرض على أعضاء المجلس ولم تستند إلى قرار أو توافق مؤسسي.
وتزداد حساسية الخطوة لأن الحجيلان، وفق المصادر ، لم يكتفِ بطرح مكان انعقاد المؤتمر، بل ربط الدعوة بترتيب سياسي يتعلق بقيادة المجلس. وبهذا انتقل دوره من كونه نائباً أولاً للرئيس، إلى ممارسة نفوذ يتجاوز حدود التفويض الفردي، عبر تقديم ترتيبات ومرشحين باسم مؤسسة يفترض أن قراراتها تصدر عن هيئاتها وأعضائها.
صفة الحجيلان محل جدل
تتمثل إحدى نقاط النزاع الأساسية في الصفة التي تخوّل الحجيلان التحرك باسم المجلس. فالمصادر التي تناولت تأسيس المجلس تشير إلى أنه كان رئيساً للاتحاد الدولي لنقابات آسيا وأفريقيا، قبل تعيينه نائباً أول لرئيس المجلس البرلماني الآسيوي–الأفريقي.
غير أن هذا الموقع، حتى في حال ثبوته، لا يجعله تلقائياً ممثلاً عن جميع البرلمانات الأعضاء، ولا يمنحه حق عقد مؤتمر أو اقتراح تغيير قيادة المجلس خارج القوانيين ومن دون تفويض واضح. مع العلم إن الحجيلان هذا ليس دبلوماسياً أو برلمانيا اي بدون صفة إذ لا يحمل لا جوازاً دبلوماسياً، كمل أن صفته التنظيمية، أياً كانت، لا تعفيه من احترام التسلسل المؤسسي وآليات اتخاذ القرار.
استثمار الطموح الشخصي الليبي
وجد الحجيلان في رغبة عقيلة صالح في استضافة المؤتمر فرصة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل المجلس. فقد أظهرت تقارير ليبية رسمية أن لقاءات عُقدت في بنغازي لبحث ترتيبات المؤتمر، بحضور الحجيلان والأمين العام للمجلس فايز الشوابكة، كما أعلنت الجهات الليبية عن استعدادات لعقد المؤتمر في المدينة يومي 15 و16 يونيو، وهو ما كان.
غير أن هذه التحركات جاءت في ظل بيان سابق صادر عن المندلاوي ينفي الصلة الرسمية للاجتماع بالدعوات المتداولة. لذلك نشأ مساران متوازيان: مسار يقوده رئيس المجلس عبر بغداد والقنوات المؤسسية، ومسار عملي في بنغازي يقدّم الحجيلان بوصفه مسؤولاً مخولاً بالتنسيق. وقد أدى هذا التوازي إلى خلق انطباع بوجود توافق داخل المجلس، قبل أن يصدر توضيح رسمي ينفي ذلك.
مسؤولية عقيلة صالح
لا تقتصر المسؤولية السياسية عن الأزمة على الحجيلان وحده. فعقيلة صالح، بوصفه رئيس مجلس النواب الليبي والجهة المضيفة، كان يفترض أن يتحقق من الصفة الرسمية لمن يتواصل معه باسم المجلس، وأن يطلب تفويضا مكتوبا أو قرارا صادرا عن رئاسة المجلس أو أعضائه قبل إعلان ترتيبات مؤتمر دولي.
تولى صالح رئاسة المجلس البرلماني الآسيوي–الأفريقي عقب مؤتمر بنغازي، وأن المؤتمر عُقد بالفعل يومي 15 و16 يونيو 2026. غير أن انعقاد المؤتمر لاحقاً لا يحسم وحده الجدل المتعلق بشرعية الدعوة والإجراءات السابقة عليه؛ فالشرعية لا تُستمد من الأمر الواقع، بل من احترام النظام الداخلي، وصحة التفويض، ومشاركة المؤسسات المخولة.
تغيير الحقائق بالوقائع الميدانية
تكمن خطورة هذا النوع من التحركات في إمكانية فرض واقع مؤسسي جديد عبر تنظيم الاجتماعات أولاً، ثم تقديم نتائجها لاحقاً باعتبارها تعبيراً عن إرادة جماعية. فحين تستضيف جهة رسمية لقاءً دولياً بحضور مسؤول يحمل لقباً داخل مؤسسة ما، قد يتولد انطباع بأن الاجتماع يحظى بتفويض كامل، حتى لو كان أصل الدعوة موضع اعتراض.

وتظهر هذه الآلية في الانتقال من مجرد اقتراح عقد مؤتمر في بنغازي إلى الإعلان عن ترتيبات رسمية، ثم الحديث عن اختيار عقيلة صالح رئيساً للمجلس. وبذلك يصبح الخلاف حول الصلاحيات خلافاً على صناعة الشرعية نفسها: من يملك الدعوة؟ من يحدد جدول الأعمال؟ ومن يعلن نتائج المؤتمر باسم البرلمانات الآسيوية والأفريقية؟
أزمة تتجاوز الأشخاص
رغم أن الأزمة ارتبطت باسمَي الحجيلان وعقيلة صالح، فإن خلفيتها الأوسع تتعلق بغياب آلية معلنة وشفافة لحسم الخلافات المتعلقة بالدعوات والتمثيل وانتخاب القيادة. وقد أظهرت التغطيات السابقة أن المجلس كان في مرحلة تأسيسية، مع اختيار المندلاوي رئيساً لدورته الأولى والحجيلان نائباً أول للرئيس.
لذلك فإن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تقتصر على تبادل الاتهامات، بل تحتاج إلى نشر النظام الداخلي، ومحاضر الاجتماعات، وقوائم التفويض، وقرارات انتخاب القيادة، وتحديد العلاقة بين المجلس البرلماني والاتحادات غير البرلمانية. كما يتعين الفصل بين الصفة النقابية أو المدنية لأي شخصية وبين الصفة البرلمانية الرسمية التي تمنحها المؤسسات التشريعية وحدها.
في الاخير توضح الوثائق والتقارير المتاحة أن اجتماع بنغازي نشأ في بيئة من تضارب الصلاحيات والرسائل المتنافسة، وأن بيان محسن المندلاوي مثّل محاولة لوقف الالتباس والتنبيه إلى أن الدعوات لم تصدر عبر القنوات المعتمدة.
أما تحرك سعود الحجيلان، فيبدو أنه استند إلى موقعه داخل المجلس وإلى علاقته بالجانب الليبي لتمرير مبادرة سياسية وتنظيمية لا تحظَى بالموافقة جماعية للمؤسسات الشرعية للمجلس.
وفي المقابل، فإن استقبال عقيلة صالح لهذه المبادرة والتعامل معها باعتبارها مساراً كافياً للتحضير لمؤتمر دولي يطرح مسؤولية سياسية وقانونية بشأن التحقق من التفويض. فالمؤسسات البرلمانية لا تُدار بالمبادرات الشخصية، ولا تُكتسب شرعيتها بمجرد انعقاد اجتماع، بل بالالتزام الصارم بالقواعد، وبحضور القيادة الشرعية، وبموافقة الأعضاء وفق الإجراءات المعتمدة.
وإضافة لكل ما سبق ،فإن الاتحاد النقابي الذي يزعم الحجيلان ترأسه ،وهمي وليس هناك أية وثيقة رسمية تعطيه صفة اتحاد ذا شرعية قانونية .
استمرار التحايل
ولعل مما يثير القلق هو استمرار بعض منتحلي صفة تمثيل المجلس البرلماني الآسيوي–الأفريقي في التصرف وفق إجراءات تخالف الشرعية ، إذ أعلنوا عن استضافة اجتماع لما سموه :”المجلس التنفيذي للمجلس البرلماني الآسيوي الإفريقي ” خلال اجتماع عقد في مجلس النواب الليبي .
مؤامرة فاشلة للالتفاف على مؤسسة الشرعية.
ولتوضيح الموقف الرسمي للاتحاد الشرعي ،كان محمد الجبيري، مستشار رئيس المجلس البرلماني الآسيوي الأفريقي محسن علي المندلاوي، قد أكد أن الاجتماع المزمع عقده بمدينة بنغازي لا يمتلك أي شرعية قانونية أو مؤسساتية، معتبراً إياه «مؤامرة فاشلة» ومحاولة مكشوفة للمساس بشرعية المجلس ورئيسه والالتفاف على مؤسساته الرسمية.
وأوضح الجبيري، في تصريح صدر بتاريخ 14 يونيو 2026، أن المجلس البرلماني الآسيوي الأفريقي يرفض بشكل قاطع أي تحركات فردية تهدف إلى عقد اجتماعات باسمه دون تفويض شرعي أو موافقة من أجهزته المختصة، مشيراً إلى أن الاجتماع المعلن في بنغازي يقف خلف ترتيباته كل من عقيلة صالح، وعبدالله الفضيل، وفايز الشوابكة، وسعود حجيلان، وعلام الكندري.
وأضاف أن هذا الاجتماع لم يصدر بشأنه أي تكليف من رئاسة المجلس، كما لم يُعرض على الجمعية العمومية، وهو ما يجعله في حالة تعارض صريح مع النظام الأساسي للمجلس، مؤكداً أن المجلس يعتبره باطلاً ومنعدم الأثر قانوناً.
وحذر الجبيري البرلمانات الأعضاء من المشاركة في هذا الاجتماع أو التعاطي مع مخرجاته، مؤكداً أن أي قرارات أو توصيات قد تصدر عنه لا تُلزم المجلس البرلماني الآسيوي الأفريقي ولا تعبر عن مواقفه الرسمية.
وشدد على أن الشرعية الوحيدة للمجلس تستمد من الالتزام بنظامه الأساسي وأجهزته الشرعية، وفي مقدمتها الاجتماع الرسمي الثاني للمجلس المقرر عقده في بغداد أو بالمملكة المغربية أو في أي مكان آخر يعتمده الرئيس الفعلي والمؤسس للمجلس محسن علي المندلاوي.
وختم الجبيري تصريحه بالتأكيد على أن المجلس لن يسمح بأي محاولة لتفكيكه أو اختطاف قراره أو التشويش على مساره المؤسسي، داعياً جميع الأعضاء إلى التمسك بالشرعية واحترام النظام الأساسي للمجلس .