الذكرى الـ74 لثورة 23 يوليو… احتفاء بالتاريخ وتجديد لرهان الشراكة الاستراتيجية بين مصر والمغرب

قد لا تكون الاحتفالات الوطنية مجرد مناسبة لاستحضار محطات تاريخية، بل أصبحت في الممارسة الدبلوماسية الحديثة فضاء لتأكيد التوجهات السياسية واستشراف آفاق التعاون بين الدول. ومن هذا المنطلق، اكتسى الاحتفال الذي نظمته سفارة جمهورية مصر العربية بالرباط بمناسبة الذكرى الرابعة والسبعين لثورة 23 يوليو بعدا يتجاوز الطابع البروتوكولي، ليوثق المستوى المتقدم الذي بلغته العلاقات المغربية المصرية، بحضور السيد كريم زيدان، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المغربية المكلف بالاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية، ممثلا لحكومة المملكة المغربية، إلى جانب كبار المسؤولين المغاربة، والسفراء المعتمدين، وممثلي المنظمات الدولية والإقليمية، وفعاليات من الأوساط الاقتصادية والثقافية والإعلامية، وأفراد الجالية المصرية بالمغرب

وفي كلمة حملت رسائل سياسية واضحة، نقل الوزير كريم زيدان تهاني المملكة المغربية إلى جمهورية مصر العربية قيادة وحكومة وشعبا، مؤكدا أن العلاقات بين الرباط والقاهرة تستند إلى إرث تاريخي راسخ وإرادة سياسية مشتركة يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس وفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي. وشدد على أن الزخم الذي تشهده العلاقات الثنائية يعكس توجها استراتيجيا نحو بناء شراكة شاملة قادرة على مواكبة التحولات الإقليمية والدولية، وتعزيز التكامل الاقتصادي والاستثماري، بما يخدم مصالح البلدين ويساهم في ترسيخ الاستقرار والتنمية في الفضاءين العربي والإفريقي.

من جهته، استحضر سفير جمهورية مصر العربية لدى المملكة المغربية، أحمد عبد اللطيف، الدلالات الوطنية والقومية لثورة 23 يوليو باعتبارها محطة مفصلية في تاريخ الدولة المصرية، أرست مبادئ الاستقلال والسيادة والعدالة الاجتماعية، وأسهمت في دعم حركات التحرر في العالمين العربي والإفريقي. كما أبرز أن مصر تواصل، في ظل قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، تنفيذ مشروع تنموي واسع يرتكز على رؤية الجمهورية الجديدة، التي تجعل من التنمية الاقتصادية وتحديث البنية التحتية وتعزيز القدرات الوطنية ركائز أساسية لبناء المستقبل. وفي السياق ذاته، أكد أن العلاقات المغربية المصرية ليست مجرد تعاون بين دولتين، بل هي امتداد لروابط حضارية وإنسانية وثقافية عميقة رسختها عقود من التقارب والتفاعل بين الشعبين.

ولعل أبرز ما ميز الاحتفال هو إبراز الطابع العملي الذي بات يميز العلاقات الثنائية، حيث أشار السفير المصري إلى النتائج التي أفرزتها الدورة الأولى للجنة التنسيق المشتركة برئاسة رئيسي وزراء البلدين، والتي انعقدت بالقاهرة في السادس من أبريل الماضي، وأسفرت عن توقيع أربع عشرة اتفاقية تغطي قطاعات استراتيجية تشمل الصناعة والاستثمار والطاقة والكهرباء والطاقة المتجددة والسياحة والثقافة والشباب. كما أكد أن وتيرة الزيارات الرسمية والتشاور السياسي واللقاءات بين الفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات الحكومية شهدت تصاعدا ملحوظا خلال الأشهر الأخيرة، بما يؤكد الإرادة المشتركة لترجمة الاتفاقيات إلى مشاريع ملموسة. وفي البعد الثقافي، سلط معالي السفير الضوء على مبادرة “الصالون الثقافي” التي أطلقتها السفارة المصرية بالرباط، باعتبارها نموذجا للدبلوماسية الثقافية الهادفة إلى تعزيز الحوار الفكري والإبداعي بين النخب الثقافية في البلدين.

واختتمت الأمسية في أجواء عكست ثراء الهوية الثقافية المصرية، حيث امتزج الفن بالدبلوماسية في لوحة جسدت عمق التقارب بين الشعبين. فقد أطربت الفنانة المغربية ذات الحضور الإبداعي الرفيع فاطمة الزهراء قرطبي الحضور بأداء مختارات من روائع كوكب الشرق أم كلثوم، فيما أضفى عرض رقصة التنورة بعدا تراثيا مميزا على الاحتفال. كما أتاحت السفارة لضيوفها فرصة التعرف على أبرز المقومات السياحية والثقافية لمصر الشقيقة، وعلى المشاريع التنموية التي تشهدها البلاد، من خلال عروض وثائقية تضمنت أيضا التعريف بالدورة الثانية لمعرض العلمين الدولي للطيران والفضاء المرتقب تنظيمها خلال الفترة من 8 إلى 10 شتنبر 2026. واختتم الحفل بتقديم باقة من الأطباق المصرية التقليدية، في رسالة تؤكد أن الثقافة، إلى جانب السياسة والاقتصاد، تظل إحدى أكثر أدوات الدبلوماسية تأثيراً في توطيد العلاقات بين الدول والشعوب.

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد