الحملة الانتخابية بين جشع الاعيان وفوضوية الجماهير

د. محمد أمغار / دكتور في العلوم السياسية

تبدو الحملة الانتخابية في المغرب، في كثير من الأحيان ومنذ عدة تجارب سابقة ، وكأنها تتحول تدريجياً من مجال للتنافس حول البرامج والأفكار إلى فضاء لاستعراض القدرة على التعبئة الجماهيرية. والمتتبع للحملة الانتخابية الحالية يلاحظ حضوراً قوياً للأهازيج والموسيقى والرقص والتجمعات الجماهيرية، بما يجعل المشهد الانتخابي قريباً، في بعض جوانبه، من مشاهد المهرجانات الموسقية والاحتفالات الرياضية التي اصبحت مصدرا للدخل للعديد من رواد التواصل الرقمي.
ولعل هذا الأمر ليس منفصلاً عن الثقافة السياسية والاجتماعية التي تطورت خلال السنوات الأخيرة. فقد شهد المغرب تنظيم عدد كبير من المهرجانات والتظاهرات الرياضية الكبرى، واكتسب المجتمع، وخاصة فئة الشباب، خبرة في التعبير الجماعي عن الحماس من خلال الأهازيج والشعارات والحركات الجماعية. ومن الطبيعي، من زاوية سوسيولوجية، أن تنتقل بعض هذه الممارسات إلى المجال الانتخابي عندما تصبح الانتخابات نفسها مناسبة للتجمع والتعبئة وإظهار القوة التنظيمية اعتمادا على المقابل المادي عوض النضال الحزبي الذي لم يبقى له وجود الا استثناءا.
غير أن الإشكال السياسي لا يكمن في حضور الفن أو الثقافة في الحملات الانتخابية، فهما عنصران مشروعان في التعبير والتواصل السياسي، وإنما في احتمال أن يصبح شكل الحملة بديلاً عن مضمونها. فالجمهور الذي يصفق ويهتف ويرقص مقابل مادي مؤقت هو نفسه المواطن الذي ينتظر أجوبة حول التعليم والصحة والتشغيل والقدرة الشرائية والحريات والخدمات العمومية والحكامة.
ومن منظور العلوم السياسية، فانه لا ينبغي قياس المشاركة السياسية فقط بعدد الحاضرين في التجمعات أو ارتفاع مستوى الحماس، بل بمدى قدرة العملية الانتخابية على تحويل هذا الحماس الجماعي إلى نقاش عمومي حول البرامج والسياسات والاختيارات واقناع الغالبية من المواطنين بالعملية الانتخابية واعطاءهم الامل في المستقبل.
لذلك ففي ظل غياب الطبقة الوسطى التي تقف بين جشع الاعيان وفوضوية الجماهير فاذا استمرت الانتخابات في استلهام منطق المهرجانات والملاعب في التعبئة والتاثير على الجماهير عوض النقاش الديمقراطي ، فقد نعيش خلال السنوات المقبلة حملات أكثر جماهيرية وحماساً ولكن بوسائل اخرى .

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد