من الكوجو إلى ملاعب أمريكا الشمالية.. قصة عشق صينية عريقة مع كرة القدم

(عمر الروش)

على بعد آلاف الكيلومترات من الملاعب التي تحتضن منافسات كأس العالم 2026 بالولايات المتحدة وكندا والمكسيك، يعيش الصينيون أجواء الحدث الكروي العالمي بالحماس ذاته، سواء في مقاهي بكين، أو أمام الشاشات العملاقة في شنغهاي، أو عبر منصات التواصل الاجتماعي.

ورغم الغياب المتواصل للمنتخب الصيني عن النهائيات، فإن شغف الصينيين بكرة القدم ظل حاضرا بقوة، في مشهد يعكس عمق ارتباط هذا البلد باللعبة الأكثر شعبية في العالم.

هذا الشغف ليس وليد العصر الحديث، إذ لا ت عد كرة القدم في الصين مجرد رياضة وافدة من الغرب، بل تمتد جذورها إلى أكثر من ألفي عام، من خلال لعبة الكوجو التي يعترف بها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) باعتبارها أقدم شكل موثق للعبة في التاريخ.

– من التدريب العسكري إلى الترفيه الشعبي

ظهرت لعبة “الكوجو”، التي يعني اسمها حرفيا “ضرب الكرة بالقدم”، خلال فترة الممالك المتحاربة، قبل أن تزدهر في عهد أسرة هان.

واستخدمت هذه اللعبة، في بداياتها، كوسيلة لتدريب الجنود على تنمية التوازن والرشاقة والتنسيق وروح العمل الجماعي، من خلال ألعاب تعتمد على الكرة دون استعمال اليدين.

ومع مرور الزمن، انتقلت الكوجو من الثكنات العسكرية إلى الساحات العامة، لتتحول، خلال عهدي أسرتي تانغ وسونغ، إلى نشاط ترفيهي واسع الانتشار مارسه الأباطرة والمثقفون والتجار والنساء والأطفال.

وتشير المصادر التاريخية إلى تنظيم مباريات واستعراضات مهارية وتجمعات اجتماعية شكلت الكرة خلالها وسيلة للتقارب والتواصل بين مختلف فئات المجتمع.

ورغم أن كرة القدم الحديثة ستتطور لاحقا في مناطق أخرى من العالم، فإن جوهر اللعبة، المتمثل في جمع الناس حول كرة واحدة، كان حاضرا في الصين منذ قرون طويلة.

مونديال بدون المنتخب الصيني… لكن ليس بدون الصينيين

ويساعد هذا الامتداد التاريخي على فهم المفارقة التي تميز علاقة الصين بكأس العالم. فبالرغم من أن المنتخب الصيني لم يشارك في النهائيات سوى مرة واحدة، خلال نسخة 2002، فإن البطولة تحظى بمتابعة واسعة داخل البلاد.

وتستقطب المباريات، التي تبث في ساعات متأخرة من الليل أو مع بزوغ الفجر، ملايين المشاهدين، فيما تمدد المقاهي في المدن الكبرى ساعات عملها لاستقبال عشاق كرة القدم.

كما تزخر المنصات الرقمية بالتحليلات التقنية والنقاشات حول أبرز المنتخبات المرشحة لإحراز اللقب، إلى جانب مقاطع الفيديو التي تحتفي بنجوم البطولة.

ويتوزع تشجيع الجماهير الصينية بين منتخبات كبرى، من بينها البرازيل والأرجنتين وفرنسا وإسبانيا والبرتغال والمغرب، غير أن الشغف باللعبة يظل قاسما مشتركا يجمع عشاق كرة القدم في مختلف أنحاء البلاد.

وكما كانت ملاعب الكوجو فضاءات للتلاقي قبل قرون، تواصل كرة القدم اليوم أداء الدور نفسه، من خلال جمع أشخاص لا يعرف بعضهم بعضا حول نقاش عن ضربة جزاء، أو مباراة مثيرة، أو هدف حاسم.

الشركات الصينية حاضرة بقوة في كأس العالم

وإذا كانت الصين غائبة عن المنافسة الرياضية، فإن حضورها يبدو لافتا في مختلف مكونات البطولة. فالشركات الصينية تضطلع بدور رئيسي في تصنيع الكرات المزودة بشرائح إلكترونية، وإنتاج التذكارات الرسمية، وتوفير الشاشات العملاقة، والتجهيزات التكنولوجية ومنصات البث، فضلا عن الشراكات التجارية المرتبطة بالحدث.

كما تساهم الأقاليم الصناعية، وعلى رأسها تشجيانغ، وخاصة مدينة ييوو، إلى جانب غوانغدونغ وشاندونغ، في تزويد جزء مهم من سلاسل الإمداد الخاصة بالمونديال.

ويمتد الحضور الصيني أيضا إلى مجالات الإشهار والبث التلفزيوني وتقنيات التحكيم بالفيديو.

وتضم قائمة حكام البطولة ثلاثة حكام صينيين، هم حكم الساحة ما نينغ، وحكم الفيديو فو مينغ، والحكم المساعد تشو فاي، بما يعكس اتساع الحضور الصيني داخل منظومة كرة القدم العالمية.

غير أن هذا الواقع يكرس مفارقة طالما أثارت النقاش في الصين، ولخصها الإعلامي في قناة “سي سي تي في”، باي يانسونغ، خلال مونديال 2018، بقوله: “كل ما هو صيني يشارك في كأس العالم… باستثناء المنتخب الوطني.” وبعد ثماني سنوات، لا تزال هذه العبارة تجد صداها لدى الرأي العام الصيني.

إرث يتجاوز حدود الزمن

في أحد منتزهات بكين، ومع حلول المساء، يتبادل عدد من المراهقين التمريرات فوق أرضية ملعب حديث، بينما يتابعون مباريات كأس العالم عبر هواتفهم الذكية. ورغم اختلاف الأزمنة وتطور المعدات والقوانين، يبقى المشهد واحدا: قدم تضرب الكرة، وجمهور يترقب، وشغف ينتقل من جيل إلى آخر.

ولعل الإرث الحقيقي للعبة “الكوجو” لا يكمن في اعتبارها أحد أقدم أشكال كرة القدم، بقدر ما يتمثل في الفكرة التي حملتها منذ أكثر من ألفي عام، وهي أن كرة بسيطة

قادرة على أن تجسد حضارة، وتجمع بين الناس، وتحمل الشغف عبر الأزمنة.

 

 

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد