أدلى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، ورئيس الدبلوماسية الفرنسية، جان-نويل بارو، بدعوة مشتركة خلال افتتاح أشغال المؤتمر الوزاري الثاني لحفظ السلام في الفضاء الفرنكوفوني المنعقد بالرباط، تؤكدان فيها أهمية تعزيز عمليات حفظ السلام وتكييفها مع التحولات الميدانية لضمان فعاليتها واستجابتها لاحتياجات الشعوب.
وأشار بوريطة إلى أن استضافة المغرب للمؤتمر تجسد التزام المملكة العميق بقيم السلام والتعاون والتضامن الدولي، وامتثالاً للتوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس. وأكد على ضرورة أن تقوم ولايات بعثات حفظ السلام على أهداف واقعية وقابلة للإنجاز ومحددة الأولويات، مدعومة باستراتيجيات سياسية واضحة وتحت مردودية تقييم منتظم، مشدداً أن الأفضل السعي لتحقيق أهداف أقل طموحاً ولكن قابلة للتحقيق فعلياً، بدلاً من الوعود غير الواقعية التي لا تنفذ. ولفت إلى أن زمن انعقاد المؤتمر حاسم في ظل الانقسامات داخل مجلس الأمن وتغير طبيعة النزاعات وضغط الموارد، محذراً من تزايد العداء في مسارح العمليات وتهديدات الجماعات المسلحة الانفصالية والمرتبطة بالتنظيمات الإرهابية التي تستهدف عناصر القبعات الزرق، داعياً إلى سياسة عدم تسامح مطلق تجاه الجرائم المرتكبة ضدهم.
ومن جانب آخر، نوه الوزير بالدور التاريخي للمغرب في حفظ السلام منذ 1960 ومساهمته الكبيرة بعدما نشر أكثر من 100 ألف فرد من القبعات الزرق، مع تواجد نحو 1,340 عسكرياً مغربياً حالياً في بعثات مثل مينوسكا ومونوسكو، معتبرا أن هذه الخبرة تمنح المملكة شرعية خاصة للمشاركة في نقاشات إصلاح آليات حفظ السلام، والدفع نحو مقاربة أكثر فعالية وأمانا وارتباطا باحتياجات السكان المحليين. ودعا بوريطة الفضاء الفرنكوفوني إلى تحويل ثقله العملي إلى تأثير سياسي ومنهجي حقيقي، وصياغة رؤية فرنكوفونية مشتركة لتعزيز السلام، وتقوية القدرات البشرية، وتوحيد هندسة التكوين، وتعزيز قابلية التشغيل البيني بين الوحدات الفرنكوفونية، مجدداً استعداد المغرب للمساهمة عبر مركزه للتميز في ابن سليمان.
بدوره، شدد جان-نويل بارو على أن الأمم المتحدة وعملياتها لحفظ السلام تظل “ضرورية” وذات نجاعة مثبتة، مشيدا بالمبادرات المغربية والتزامها من أجل استقرار وتنمية القارة الإفريقية. وأكد أن انتشار قوات حفظ السلام يسهم في احتواء التهديدات ومنع التصعيد وحماية المدنيين وتمهيد عودة الحياة الطبيعية، كما يساعد على “عودة الدولة” إلى مناطق مستقرة، ممهدا الطريق لسلام مستدام عبر تضافر جهود وكالات وبرامج الأمم المتحدة. كما دعا إلى إعادة التفكير في نموذج العمليات عبر تزويدها بالوسائل والالتزامات المالية الملائمة وتحديث الأدوات لمواجهة التهديدات الحديثة مثل المسيرات وحملات التضليل، مع التأكيد على أهمية بناء شراكات قوية مع البلدان الإفريقية والفضاء الفرنكوفوني لتعزيز مرونة العمليات وقدرة الأفراد المنتشرين على فهم السياق المحلي والتواصل بلغة السكان.
واتفق الوزيران على أن عمليات حفظ السلام يجب أن تبقى أدوات مؤقتة مدعومة بمرونة وإصلاح حقيقي يخولها التكيف مع الواقع الميداني، وأن لا تحل محل الإرادة السياسية للأطراف المتنازعة مع إمكانية إنهاء البعثات عندما تسمح المستجدات السياسية والميدانية بذلك. كما أشار بارو إلى أهمية تعزيز دور النساء في بعثات حفظ السلام وضرورة دمج منظور النوع الاجتماعي لتحقيق سلام دائم.
تعكس استضافة المغرب لهذا المؤتمر مكانة المملكة المحورية وخبرتها المتراكمة في مجال حفظ السلام، وتؤكد دور الرباط كمنصة لحشد الفضاء الفرنكوفوني والدولي من أجل إعادة تشكيل أدوات حفظ السلام وجعلها أكثر فاعلية وأمنا وملاءمة لاحتياجات الساكنة. ودعت المداخلتان إلى التزام عملي وسياسي ملموسين، من خلال تجهيز أفضل، تمويل موثوق، وتعزيز تكامل القدرات البشرية والتدريبية الفرنكوفونية، لتكون بعثات اليوم قادرة على مواجهة التهديدات المعاصرة والمساهمة فعلياً في مسارات سياسية تحقق الاستقرار والتنمية على المدى الطويل.