تقرير أميركي: الرؤية الملكية تحول المغرب إلى قوة صاعدة بفضل مقارباته الاقتصادية والدبلوماسية الاستراتيجية

رسم تقرير حديث صادر عن مركز ‘ستيمسون’ للأبحاث والدراسات الاستراتيجية الأميركي صورة لمغرب يسعى إلى تثبيت موقعه كقوة إقليمية في شمال إفريقيا، مستندا إلى مزيج من التحولات الاقتصادية والدبلوماسية وإعادة التموضع الجيوسياسي.

واعتبر التقرير أن المملكة بقيادة العاهل المغربي الملك محمد السادس، لم تعد مجرد نقطة عبور أو دولة معنية بإدارة ملفات الهجرة والأمن لصالح أوروبا، بل تحولت إلى لاعب إقليمي يطمح إلى ربط الفضاءين الإفريقي والأوروبي عبر شبكة من المصالح الاقتصادية والتحالفات الاستراتيجية.

واعتمد المغرب خلال السنوات الأخيرة مقاربات سياسية ودبلوماسية واقتصادية هادئة أحدثت نقلة نوعية وتحولات ضخمة في البنية التحتية من مطارات وطرقات وموانئ ومرافق خدمية واجتماعية وجعلت من المملكة نموذجا إقليميا ودوليا موثوقا كما نجح في بناء شراكات واسعة مع فاعلين دوليين.

ووفق قراءة المركز الأميركي، فإن المغرب استطاع خلال السنوات الأخيرة بناء نموذج يقوم على استثمار موقعه الجغرافي كبوابة بين المتوسط وعمقه الإفريقي، مستفيدا من استقرار مؤسساته السياسية وتوجهه نحو التصنيع والتكامل مع الأسواق الغربية.

ويبرز هذا التحول بشكل واضح في قطاع صناعة السيارات، حيث باتت المملكة أكبر منتج للسيارات في القارة الإفريقية، إضافة إلى توسعها في الصناعات المرتبطة بالطيران والمعادن الاستراتيجية والطاقة المتجددة، وهي قطاعات ترى فيها القوى الغربية بديلا جزئيا عن سلاسل التوريد الآسيوية، خصوصا الصينية.

وتوقف التقرير أيضا عند ما وصفه بانتقال المغرب من اقتصاد يعتمد على الكلفة المنخفضة إلى اقتصاد يسعى إلى خلق قيمة صناعية وتكنولوجية أعلى، عبر تطوير مشاريع مرتبطة بالبطاريات والطاقة الخضراء والفوسفات، مستفيدا من الطلب العالمي المتزايد على المعادن الحيوية. كما أشار إلى أن المملكة تحاول استقطاب مزيد من الاستثمارات الأوروبية والخليجية في إطار إعادة توطين الصناعات بالقرب من الأسواق الأوروبية، في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية الدولية.

وفي الجانب الاجتماعي، اعتبر التقرير أن مشروع تعميم الحماية الاجتماعية الذي أطلق سنة 2021 يمثل أحد أكبر برامج الإصلاح الداخلي في المغرب منذ عقود، بالنظر إلى توسيعه مظلة التغطية الصحية والتعويضات العائلية لتشمل شرائح واسعة من السكان، غير أن المركز يرى أن نجاح هذا الورش يبقى رهينا بقدرة الاقتصاد المغربي على خلق فرص عمل مستدامة وتحقيق نمو قادر على امتصاص البطالة، خاصة في أوساط الشباب.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لم يغفل التقرير التحديات البنيوية التي تواجه المملكة، وعلى رأسها أزمة ندرة المياه التي باتت تشكل ضغطا متزايدا على الاقتصاد والأمن الغذائي، إلى جانب استمرار بعض المشاكل الاجتماعية والمجالية واتساع الاقتصاد غير المهيكل.

وفي قراءة للدبلوماسية المغربية، أشار التقرير إلى أن الرباط نجحت في تعزيز حضورها الدولي عبر سياسة تقوم على “التعاملات الاستراتيجية”، أي بناء شراكات تقوم على تبادل المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية. وفي هذا السياق، اعتبر المركز أن تطبيع العلاقات مع إسرائيل ضمن “اتفاقات أبراهام”، إلى جانب الدعم الدولي المتزايد لمقترح الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، منحا الرباط مكاسب دبلوماسية مهمة عززت موقعها داخل التوازنات الإقليمية.

ويخلص التقرير إلى أن المغرب يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم، فنجاحه في تحويل زخمه الاقتصادي والدبلوماسي إلى تنمية شاملة ومستدامة سيحدد ما إذا كان قادرا على ترسيخ نفسه كقوة إقليمية صاعدة، أم أن التحديات الاجتماعية والجيوسياسية ستحد من طموحه في منطقة تزداد تنافسا وتعقيدا يوما بعد آخر.

لكن الثابت وفق المؤشرات الحالية أن المملكة تمضي بثبات وفق رؤية ملكية واضحة صنعت قصة نجاح في توقيت يعتبر قياسيا بالنظر لجملة التحديات والاضطرابات الجيوسياسية العاصفة التي تشهدها المنطقة، وبالنظر لحجم الإنجازات على كافة الأصعدة حتى باتت شريكا اقتصاديا موثوقا وشريكا أمنيا يعتمد على منهاجه في مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود والهجرة غير الشرعية وشريكا أثبت قدرته على التكيف مع المتغيرات والتقلبات التي يشهدها محيطه لجهة تحصين أمنه واستقراره.

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد