في أزمنة الأزمات، لا تقاس الشعوب بما تقوله، بل بما تفعله. تختبر القيم لا في الشعارات، بل في المواقف. واليوم، يقف السودان أمام اختبار أخلاقي عميق، يكشف ما إذا كنا لا نزال نملك ذلك الحد الأدنى من الإحساس الذي يجعلنا بشرا قبل أي انتماء آخر.
من المؤلم أن نستنكر ترحيل السودانيين من بعض الدول، ونرفع أصواتنا ضد الظلم حين يقع علينا، ثم نصمت، أو نبرر، حين يقع على أهلنا ومن بنى جلدتنا داخل حدود وطننا. الأكثر إيلاما أن يتحول بعضنا إلى قضاة، يقررون من يستحق الأمان ومن لا يستحقه، وكأن النجاة امتياز يمنح لا حق يصان.
النازح ليس سائحا. لم يغادر داره بحثا عن رفاهية، بل هربا من موت محقق، من حرب لا ترحم، من جوع يطحن الكرامة قبل الجسد. هو إنسان أجبر على الرحيل، يحمل ما تبقى من حياته في قلبه، لا في يده. فكيف يقابل بالرفض؟ كيف يحاصر بالخوف؟ وكيف يواجه بخطاب يلبس القسوة ثوب (الرأي)؟
ليست هذه مجرد اختلافات في وجهات النظر. هذه أزمة ضمير.
نعم، هناك مخاوف مشروعة لدى المجتمعات المستضيفة, ضغط على الموارد، ضعف الخدمات، تلوث البيئة والقلق من المجهول. لكن هذه المخاوف لا يمكن أن تكون مبررا لنزع الإنسانية عن الآخرين. الفرق كبير بين إدارة الأزمة بعقل، وبين رفض الإنسان من الأساس بحجة أنهم لا يشبهوننا !!.
السودان، في جوهره، ليس شمالا ولا وسطا ولا غربا ولا شرقا. هو نسيج واحد، تمزقه اليوم ظروف الحرب القاسية، لكنه لا يزال قادرا على التماسك ان اختار أبناؤه ذلك. النازح من دارفور أو كردفان ليس غريبا، بل امتداد طبيعي لهذا الوطن، تماما كما أن ابن الشمالية أو الشرق أو الوسط هو جزء من نفس الحكاية.
الأخطر من الرفض ذاته، هو ذلك الصوت العالي القادم من بعيد، من خارج حدود المعاناة ينظر ويحاكم ويصنف، دون أن يرى الألم عن قرب أو يلمس قسوته. التنظير من المسافة الآمنة رفاهية لا يملكها من يعيش تحت القصف أو على حافة الجوع.
ومع ذلك، وسط هذا المشهد القاتم، تبرز نماذج مضيئة. أناس فتحوا بيوتهم دون تردد، تقاسموا القليل الذي لديهم، ووقفوا موقفا يعيد الثقة في أن هذا الشعب لا يزال بخير. هؤلاء لا يكتبون منشورات طويلة، لكن أفعالهم تقول كل شيء.
الحقيقة البسيطة التي يجب ألا تنسى، إن لم تستطع أن تساعد، فلا تؤذ. وإن لم تستطع أن تحتضن، فلا ترفض. الصمت في هذه الحالة أرحم من تبرير القسوة.
هذا ليس وقت الانقسامات، ولا وقت تصفية الحسابات الجهوية. هذا وقت أن نكون بشرا، فقط بشرا. لأن الأوطان لا تبنى بالحدود، بل بالمواقف. ولا تحفظ بالسياسة وحدها، بل بالرحمة والتسامح.
فإما أن ننجح في هذا الاختبار، أو نكتب بأيدينا شهادة فقدان الإحساس، ونخسر ما هو أهم من الأرض، *إنسانيتنا* .
د.عمر زكريا أبوالقاسم/الرباط.