المواد الأولية الحرجة… رهان استراتيجي لأوروبا في سباق التحول الطاقي والرقمي

أصبح الولوج إلى المواد الأولية الحرجة والأتربة النادرة، الضرورية لتطوير التكنولوجيات المرتبطة بالتحولين الطاقي والرقمي، رهانا استراتيجيا حاسما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، كما بات مجالا للتنافس الجيوسياسي مع قوى عالمية أخرى، في سياق لا يحظى فيه التكتل الأوروبي بموقع الصدارة.

ويعتمد انتقال الاتحاد نحو الطاقات المتجددة بشكل كبير على تجهيزات تقنية مثل البطاريات والعنفات الريحية والألواح الشمسية، وهي كلها تحتاج إلى مواد أولية حيوية من قبيل الليثيوم والنيكل والكوبالت والنحاس والأتربة النادرة، بحسب تقرير حديث صادر عن المحكمة الأوروبية للحسابات.

وينطبق الأمر ذاته على المجال الرقمي والذكاء الاصطناعي، حيث يطمح الاتحاد إلى لعب دور ريادي، غير أنه متأخر بالفعل عن الولايات المتحدة والصين، ويسعى إلى تعزيز صناعته، لاسيما في مجال أشباه الموصلات، وهو هدف يظل رهينا بموردين أجانب للمواد الأولية.

وأشارت محكمة الحسابات الأوروبية إلى أن “معظم هذه المواد تتركز حاليا في عدد محدود من الدول (مثل الصين وتركيا أو الشيلي)، بل أحيانا في بلد واحد فقط”، مبرزة أن الاتحاد يواجه صعوبات في ضمان إمداداته، وأن جهود الدول السبع والعشرين لتنويع الواردات لم تحقق “نتائج ملموسة”، في وقت تعترض فيه عدة عراقيل تطوير الإنتاج الداخلي، فيما يظل نشاط إعادة التدوير في مراحله الأولى.

ووفق أحدث معطيات المفوضية الأوروبية يستورد الاتحاد 95 في المائة من مواده القائمة على الأتربة النادرة، الضرورية للمركبات الكهربائية والتكنولوجيات اليومية وأنظمة الدفاع، في حين تبقى معدلات إعادة التدوير دون 1 في المائة. ورغم تحديد أهداف لسنة 2030، فإن بلوغها يبدو مستبعدا دون تسريع كبير للجهود.

في المقابل، تهيمن الصين على القسم الأكبر من سلسلة التوريد العالمية للأتربة النادرة، إذ تتحكم في نحو 60 إلى 70 في المائة من أنشطة الاستخراج، وما يصل إلى 90 في المائة من قدرات المعالجة.

ولمواجهة هذا الوضع، اعتمد الاتحاد سنة 2024 لائحة المواد الأولية الحيوية بهدف ضمان أمن الإمدادات على المدى الطويل لـ26 معدنا اعتبرت أساسية للتحول الطاقي، وتقليص التبعية لدول بعينها.

كما أبرم الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الخمس الماضية 14 شراكة استراتيجية في مجال المواد الأولية، سبع منها مع بلدان توصف مؤشرات الحكامة فيها بالضعيفة، بحسب مدققي المحكمة، الذين أشاروا إلى أن الواردات من نصف هذه الدول الشريكة تراجعت بين 2020 و2024.

وتنص اللائحة على أن 25 في المائة على الأقل من المواد الأولية الاستراتيجية المستهلكة داخل الاتحاد يجب أن تأتي من مصادر معاد تدويرها بحلول 2030. غير أن المؤشرات الحالية لا تبعث على التفاؤل، إذ إن سبعة من أصل 26 مادة تسجل معدلات إعادة تدوير تتراوح بين 1 و5 في المائة، فيما لا تخضع عشر مواد أخرى لأي عملية تدوير.

ويواجه الفاعلون الأوروبيون في مجال إعادة التدوير تحديات مرتبطة بارتفاع تكاليف المعالجة، وضعف توفر المواد، إلى جانب عراقيل تكنولوجية وتنظيمية تحد من تنافسيتهم.

أما قطاع الاستخراج داخل أراضي الاتحاد، فيصطدم بدوره بعدة صعوبات. ورغم سعيه إلى تغطية 10 في المائة من استهلاكه عبر الإنتاج الداخلي، تظل أنشطة الاستكشاف محدودة، وقد يستغرق تحويل أي اكتشاف جديد إلى مشروع منجمي عملي ما يصل إلى 20 عاما.

وأمام هذا الوضع، لجأ الاتحاد الأوروبي إلى المسار الدبلوماسي لتأمين إمداداته وتقليص تبعيته، خاصة تجاه الصين. وفي هذا الإطار، أعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان مؤخرا عن إطلاق شراكة استراتيجية لتعزيز ولوجها إلى هذه المعادن الحيوية.

ويسعى الشركاء، وفق بيان صدر عقب اجتماع وزاري بواشنطن، إلى “تعزيز أمنهم الاقتصادي والوطني بشكل ملموس من خلال تقوية صمود سلاسل التوريد الخاصة بالمعادن الحيوية”، عبر دعم مشاريع جديدة في مجالات الاستخراج والتكرير والإنتاج وإعادة التدوير، وتوفير آليات تحفيزية، وتسريع البحث والتطوير، فضلا عن تعزيز تبادل المعلومات بشأن المخزونات المتاحة.

وتندرج هذه الخطوة ضمن سلسلة مبادرات يعتمدها الاتحاد الأوروبي تفاديا لأن تؤدي التوترات العالمية المرتبطة بالمعادن الحيوية إلى إبطائه في مسار التحول الطاقي والرقمي.

 

 

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد