مقال رأي: بقلم سعيد الذهبي
يبدو أن المواطن المغربي يعيش بين مطرقة المادة 48 من القانون الجنائي وسندان قوانين أخرى لا تقلّ عنها صلابة في المفارقة. فالمادة تقول بلهجة صارمة:
“كل من علم بوقوع جريمة ولم يبلغ عنها السلطات القضائية أو الإدارية المختصة يعاقب إذا لم يكن في إمكانه منعها إلا بالتبليغ عنها.”
جميل. يعني أن الدولة تطلب منك أن تكون شرطيًّا متطوعًا بلا راتب، ومحققًا بلا صلاحيات، وقاضيًا بلا محكمة. بل وتضيف، بكل جدية، أن حتى عدم المنع إن كان في المستطاع جريمة! أي أنك إن رأيت جريمة ولم توقفها، فأنت مجرم صامت.
لكن انتبه… إن تجرأت وأبلغت عن فسادٍ ما، قد يتحول صوتك فجأة إلى “تشويش”، وضميرك إلى “تهديد للأمن المؤسساتي”، وربما تُتَّهم بأنك “تشكك في نزاهة الانتخابات” أو “تسيء لسمعة الدولة”.
هكذا تتحول القوانين من شبكة أمان إلى شبكة صيد. تصطاد المواطن لا المجرم.
القانون الأول يقول لك: “تكلم وإلا ستحاسب.”
والقانون الثاني يقول لك: “إن تكلمت فستُحاسب.”
فكيف لا يصاب الضمير الوطني بالدوار؟
القانون الجنائي يريدك بطلاً، لكن قوانين الفساد والانتخابات تريدك مؤدبًا صامتًا، يُصفق ولا يُبلّغ، يُبارك ولا يُجادل، يُصفّف رأسه مع التيار ولو كان النهر آسنًا.
والمفارقة الأجمل أن القانون الجنائي عام وشريف، يدعو للخير والنزاهة، بينما القوانين الجديدة خاصة ومُريبة، تُقيد هذا الخير وتكمم تلك النزاهة، ثم تُحدثك بوقار عن “الاستقرار”.
منطقياً، الخاص يقيد العام. لكن أخلاقياً، هذا الخاص يُقيد الوطن. فكيف يُعقل أن تكون المادة التي تُلزمك بمحاربة الجريمة أقل قيمة من المواد التي تُجبرك على السكوت عنها؟
كيف يُطلب من المواطن أن يبلغ عن الجريمة وهو يرى المبلّغين أنفسهم يُجرّون إلى المحاكم بتهم “المساس بالمؤسسات”؟
الحل؟
إما أن يُعاد ترتيب القانون ليخدم العدالة، لا ليُربكها،
أو نُغلق المحاكم ونفتح دورًا لتدريب المواطنين على فنون الصمت الذكي.
المطلوب ليس قانونًا جديدًا، بل منطق جديد:
أن يفهم المشرّع أن الشفافية لا تُدار بالعقاب، وأن التبليغ عن الفساد ليس “تشكيكًا في الدولة”، بل هو محاولة يائسة لإنقاذها من نفسها.
فالمادة 48 وُضعت لتمنع الجريمة، لا لتخيف من يمنعها.
أما اليوم، فقد صار المبلّغ يراجع نفسه قبل أن يراجع الضمير، ويسأل بكل واقعية مغربية:
هل أبلغ… أم أُبلَّغ؟
وفي النهاية، يبدو أن التبليغ في المغرب جريمة مؤجلة، تبدأ بالنية وتنتهي بالتهمة.