* ش. يونس آيت الحاج
في الوقت الذي يشهد فيه العالم العربي تراجعات على مختلف الأصعدة، تبقى العلاقات بين الدول المحورية، كمصر والمغرب، رهينة الحسابات الظرفية والخطابات البروتوكولية، بدل أن تتحول إلى شراكات استراتيجية راسخة تخدم شعوبها وتعزز الاستقرار الإقليمي.
العلاقة المغربية–المصرية تُجسد هذا الواقع بشكل لافت؛ فرغم الروابط التاريخية والمصالح المتبادلة، لا تزال هذه العلاقة تراوح مكانها، معلقة بين دفء دبلوماسي لا ينكر، وبرود استراتيجي لا يُمكن تجاهله.
زيارة وزير الخارجية المصري الأخيرة إلى الرباط، محملاً برسالة من الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى جلالة الملك محمد السادس، يمكن أن تُقرأ كإشارة انفتاح سياسي ورغبة في تجاوز مرحلة من الجفاء الرمادي. لكنها، في العمق، لن تكون كافية ما لم تتبعها خطوات ملموسة تُترجم إلى مشاريع اقتصادية مشتركة، ومواقف سياسية متقاربة في القضايا الإقليمية الساخنة.
أحد أبرز عناصر التوتر الصامت بين البلدين ظل يتمثل في قضية الصحراء المغربية، حيث تتسم المواقف المصرية بالكثير من الحذر والضبابية. فبينما اتخذت دول عربية وإفريقية مواقف واضحة في دعم مغربية الصحراء، لا تزال القاهرة تفضل التموضع في المنطقة الرمادية، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة في الرباط عن حدود الدعم المصري وصدقيته.
في الوقت نفسه، لا يمكن التغاضي عن التراكمات التجارية التي ولّدت شعوراً بعدم التكافؤ في المبادلات الثنائية، خاصة بعد ما اعتبره المغرب “ممارسات تجارية غير منصفة” من الطرف المصري. ورغم أن مبادرة إنشاء آلية “المسار السريع” في مارس 2025 تمثل تطوراً إيجابياً، فإن اختبار النوايا الحقيقية سيكون في قدرة هذه الآلية على الترجمة العملية، لا في إعلانها فقط.
لنكن واقعيين؛ التنسيق المغربي–المصري لا يمكن أن يظل أسير المجاملات أو اللقاءات البروتوكولية. فالمنطقة تعج بتحديات كبرى، من ليبيا إلى الساحل والصحراء، مروراً بأمن البحر الأحمر وممرات التجارة العالمية، وكلها ملفات لا تحتمل التردد، بل تتطلب تحالفات جريئة بين دول مستقرة تملك رؤية وشجاعة قرار.
إن بناء تحالف مغربي–مصري حقيقي يتطلب ما هو أكثر من النوايا الحسنة. إنه بحاجة إلى ترميم الثقة، ومواجهة الملفات الخلافية بصراحة، والتعامل بندية تحترم سيادة وخصوصية كل طرف. كما يجب أن يكون التحالف قائماً على مشاريع استراتيجية لا شعارات فضفاضة.
في زمن التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد أمام الرباط والقاهرة ترف التردد. فإما أن تتأسس بينهما شراكة ذكية وعادلة، أو أن يستمر الهدر السياسي والاقتصادي لما يفترض أن يكون أحد أقوى التحالفات في المنطقة العربية.