يمثل بلاغ الديوان الملكي الصادر مساء 30 أكتوبر 2026 تحولا نوعيا في التعاطي المغربي مع قضية الصحراء: فبدل احتضار الرباط لتمديد ولاية «المينورسو»، رحبت بعدم تمديدها وطلبت انسحاب البعثة من الأقاليم الجنوبية، معتبرة أن الملف دخل مرحلة الطي داخل الأروقة الأممية.
تحول في طبيعة الموقف
لعقود، كان المغرب يعمل داخل إطار أممي قائم على بعثة أممية، وتقارير دورية، ومبعوث شخصي، ومسار تفاوضي طويل. أما البلاغ فيقلب هذه المعادلة: لا يطالب بتحسين شروط البعثة أو تمديد ولايتها، بل يعتبر انتهاء الولاية بداية لإنهاء حضورها الميداني والمؤسسي.
هذا التحول يعني أن المغرب لم يعد يضع مصيره في قدرة مجلس الأمن على إصدار صيغة توافقية، بل ينتقل إلى منطق «فرض الأمر الواقع» عبر السيادة الفعلية، والشرعية الدولية المتراكمة، والشراكات الاستراتيجية. وهو ما يعكس ثقة متزايدة في القدرة على إدارة الملف خارج قيود الجمود الأممي.
لماذا يشكل رحيل «المينورسو» مكسبا للرباط؟
كانت «المينورسو»، التي أُنشئت عام 1991، تحمل في اسمها مرجعية «تنظيم استفتاء لتقرير المصير»، وهو الإطار الذي تجاوزه المغرب سياسيا منذ إطلاق مبادرة الحكم الذاتي. وقد مدد مجلس الأمن ولايتها في 2025 حتى 31 أكتوبر 2026 بموجب القرار 2797، مع الإحالة إلى التفاوض على أساس مبادرة الحكم الذاتي المغربية.
من منظور الرباط، فإن عدم تمديد البعثة يحقق ثلاث نتائج:
إنهاء الرمزية الأممية للإطار القديم: اختفاء البعثة يضعف الإشارة المؤسسية إلى مسار الاستفتاء الذي لم يعد المغرب يعتبره أساسا للحل.
تفريغ الملف من أدوات التدويل اليومي: إذ لن يبقى وجود ميداني أممي أو آلية تقارير منتظمة تمنح القضية حضورا دائمًا في جدول أعمال الأمم المتحدة.
استعادة زمام المبادرة: بدل انتظار صيغة أممية، ينتقل المغرب إلى ترتيب الوضع على الأرض وفق سيادته وإدارته المباشرة، مع الحفاظ على وقف إطلاق النار.
الفيتو الروسي: أزمة أممية وفرصة مغربية
لم ينتج انتهاء ولاية «المينورسو» عن إجماع أممي ضد المغرب، بل عن تناقض حاد داخل مجلس الأمن. فقد حصل مشروع القرار الأميركي، الذي كان يمهد لتثبيت مفاوضات مبنية على الحكم الذاتي، على 11 صوتا مؤيدا قبل أن تستخدمه روسيا حق النقض؛ وفي المقابل، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض ضد المشروع الروسي البديل.
هذه النتيجة تضع الجزائر والبوليساريو أمام مفارقة: الفيتو الروسي حال دون تمرير صيغة أمريكية كانت أقرب إلى الموقف المغربي، لكنه أفرغ في الوقت نفسه البعثة من ولايتها وفتح الباب أمام رحيلها. وبالتالي، فإن ما قد يقرأ كضربة لمسار التسوية الأممي يمكن أن يتحول، من زاوية الرباط، إلى فرصة لإنهاء البنية الأممية التي ظلت تمنح الملف حضورا دوليا مستمرا.
رسالة الديوان الملكي: حسم لا تفاوض مفتوح
لغة البلاغ خالية من التحفظات المعتادة؛ فهي لا تتحدث عن «مرحلة انتقالية» أو «حلول مؤقتة»، بل عن «الطي النهائي» لملف الصحراء داخل الأمم المتحدة، وعن ضرورة انتهاء تواجد البعثة وطواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها في الأيام المقبلة.
كما يربط البلاغ هذا التطور بـ«عيد الوحدة» الذي أقره الملك محمد السادس، في إشارة إلى أن الرباط تتعامل مع الملف بوصفه قضية وحدة ترابية وسيادة وطنية، لا نزاعا مفتوحا على التفاوض حول شرعية السيادة المغربية.
الحكم الذاتي: أداة تفاوض لا تنازل عن السيادة
من المبالغ القول، في ضوء البلاغ المتاح، إن المغرب سيسحب مبادرة الحكم الذاتي بالضرورة في الأسابيع المقبلة؛ فالبلاغ يؤكد استمرار الدينامية الدولية ودعم أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة للمبادرة بوصفها الإطار الوحيد للحل في إطار السيادة المغربية.
غير أن منطق البلاغ يضع الحكم الذاتي في موقع مختلف: لم يعد شرطا لإنقاذ مسار أممي متعثر، بل عرضا سياسيا يمكن للمغرب تقديمه أو تعديله وفق مصلحته، بينما تبقى السيادة المغربية خطا أحمر غير قابل للتفاوض. وهذا يمنح الرباط مرونة أكبر: إما التفاوض على صيغة حكم ذاتي معترف بها دوليا، أو الاستمرار في إدارة الأقاليم مباشرة إذا دام الجمود.
ما الذي يعزز قوة المغرب؟
قوة الموقف المغربي لا تستند فقط إلى انتهاء ولاية البعثة، بل إلى تركيبة أوسع:
شرعية داخلية راسخة: البلاغ يقدم القضية كملف وحدة ترابية وسيادية، بما يمنح الدولة هامشا واسعا للتحرك المؤسسي.
دعم دولي متوسع: إشارة البلاغ إلى تأييد أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة لمبادرة الحكم الذاتي تعكس تحولا في موازين الاعتراف والدعم السياسي.
استثمار الانقسام الأممي: بدل أن يكون عجز مجلس الأمن عائقا، يستثمره المغرب لإضعاف البنية الأممية للملف.
التزام علني بوقف إطلاق النار: يحصن الرباط موقفها من اتهامات بزعزعة الاستقرار، ويحافظ على صورة فاعل مسؤول إقليميا.
انتقال من الاعتراف إلى التنفيذ: المطالبة برحيل البعثة تنقل النقاش من الإعلانات الدبلوماسية إلى إجراءات ملموسة على الأرض.
لكن الرسالة المغربية واضحة: الرباط لم تعد تنتظر إذنا امميا لتأكيد سيادتها، بل تتعامل مع انهيار التوافق الأممي كفرصة لإنهاء هندسة الملف القديمة، وفرض واقع سياسي جديد يقوم على السيادة المغربية والحكم الذاتي كعرض تفاوضي اختياري، لا كتنازل عن السيادة.