أجمعت قراءات خبراء ومسؤولين من إسبانيا وبلجيكا وكندا وألمانيا وكينيا والمكسيك على أن الخطاب الملكي الموجه إلى أعضاء مجلسي البرلمان يقدم رؤية استراتيجية متكاملة، تجمع بين تعزيز الشراكات الخارجية على أساس الاحترام المتبادل، وإعادة صياغة حكامة الهجرة، وتسريع التحول الاقتصادي والاجتماعي داخل المغرب.
وترى هذه الشخصيات أن الخطاب لا يتعامل مع الهجرة باعتبارها ملفاً أمنياً أو حدودياً فحسب، بل يضعها ضمن تصور أوسع للشراكة والتنمية المشتركة والتنقل القانوني والاستقرار الإقليمي، بالتوازي مع الدعوة إلى عدالة اجتماعية ومجالية أكثر نجاعة ومؤسسات أقرب إلى انشغالات المواطنين.
شراكة مع إسبانيا وأوروبا
اعتبر الخبير الإسباني كارلوس أوريارتي سانشيز، رئيس جمعية «بان أوروبا إسبانيا»، أن الخطاب الملكي يحمل «رسالة استراتيجية» لتعزيز الشراكة بين المغرب وإسبانيا، على قاعدة الاحترام والثقة المتبادلين. ولفت إلى أن فهم هذه الرسالة يقتضي وضعها في بعدها الأوروبي والاستراتيجي، بالنظر إلى مكانة العلاقات المغربية الإسبانية في استقرار غرب المتوسط وفي وصل التعاون بين أوروبا وإفريقيا.
وأوضح سانشيز أن التشديد على الطابع السيادي للشراكة يعكس تصوراً للعلاقات الدولية لا يقوم على التبعية أو التدبير الظرفي للملفات، وإنما على الدفاع المتبادل عن المصالح المشتركة. كما اعتبر أن إعلان تقديم رؤية استراتيجية في مجال التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي يفتح المجال أمام شراكة أوسع بين المغرب وأوروبا، تشمل التنقل القانوني والاستثمار المنتج والازدهار المتبادل.
وفي الاتجاه نفسه، وصف وزير الدولة البلجيكي والرئيس السابق لمجلس النواب، أندري فلاهو، الخطاب الملكي بأنه «مبادرة انفتاح وحوار» مع الشركاء، هدفها إعادة صياغة العلاقات على منطق التعاون المعزز والاحترام المتبادل. ويرى فلاهو أن نجاح هذه الشراكة يفترض إرادة سياسية واضحة من الجانبين، بما يحول دون اختزال العلاقة في رهانات ظرفية أو في حسابات سياسية ضيقة.
الهجرة: من منطق الحدود إلى المسؤولية المشتركة
احتلت الهجرة موقعاً محورياً في قراءات الخبراء، إذ اعتبر كارلوس أوريارتي سانشيز أن تشخيص الخطاب الملكي لمحدودية النموذج الحالي للتعاون في هذا المجال تشخيص وجيه. فبحسبه، لا يمكن اختزال تدبير التدفقات الهجرية في مراقبة الحدود أو في اتفاقات مرتبطة بتقلبات السياق السياسي، بل يتعين بناء آليات مؤسساتية ثابتة تجمع المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي وتتعامل مع الأسباب الهيكلية للهجرة غير النظامية.
ومن جانبه، أكد جاك جيدواب، الرئيس المدير العام للجمعية الكندية للدراسات التابعة لمعهد «ميتروبوليس»، أن الخطاب يرسم معالم شراكة مغربية أوروبية جديدة تقوم على الحوار البناء والمسؤولية المشتركة والاعتراف بالمصالح المشروعة لكل طرف. وشدد على أن معالجة الهجرة لا ينبغي أن تنحصر في الاعتبارات الأمنية، بل يجب أن تشمل أبعادها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية.
أما الخبيرة السياسية الألمانية أنيسة سايساي فرأت أن أوروبا تحتاج إلى المغرب «ليس فقط على حدودها، بل أيضاً إلى جانبها». ودعت إلى تجاوز المقاربة التي تعتبر الهجرة تحدياً أوروبياً حصرياً، مؤكدة أن المسؤولية سياسية ومشتركة، وأن المغرب يضطلع بدور استراتيجي بين القارتين الإفريقية والأوروبية.
وبالنسبة إلى سايساي، فإن أي شراكة تتطلع إلى المستقبل ينبغي أن تتجاوز أمن الحدود وسياسات العودة، لتشمل التنمية المشتركة، والتنقل القانوني، وفرص الاستثمار، وهجرة الكفاءات واليد العاملة المؤهلة. وهي رؤية تلتقي مع ما عرضه جيدواب بشأن ضرورة بناء تعاون قائم على الثقة والتوازن بدل منطق تحميل طرف واحد عبء تدبير الظاهرة.
من جهته، أكد الخبير والصحافي الكيني توني موشاما أن الخطاب يدعو إلى حكامة متجددة للهجرة تستند إلى التشاور والمعاملة بالمثل والمسؤولية المشتركة، بعيداً عن التوظيف السياسي أو الإعلامي لهذا الملف. وأبرز أن المغرب يطرح نفسه شريكاً إفريقياً ملتزماً بإيجاد حلول واقعية ودائمة، لا مجرد بلد عبور أو حارس للحدود الجنوبية لأوروبا.
كرامة الإنسان وسيادة الشراكة
يرى أندري فلاهو أن البعد الإنساني يشكل ركناً أساسياً في التعاطي مع الهجرة، خصوصاً في ظرف إقليمي وأوروبي تتصاعد فيه التوترات حول هذه القضية. وبحسب المسؤول البلجيكي، فإن دعوة الخطاب الملكي إلى علاقة تقوم على الإرادة والسيادة والاحترام تمنع تحويل المهاجرين إلى أداة في الصراعات السياسية أو في خطابات الإغلاق والانكفاء.
ويعزز جوفروي جونري، الخبير القانوني البلجيكي، هذا الطرح بالقول إن الدعوة إلى إعادة التفكير في نموذج التعاون القائم تعكس وعياً بضرورة جعله أكثر توازناً وفعالية وملاءمة للواقع الإنساني. واعتبر أن إعلان المغرب عن إعداد رؤية استراتيجية جديدة في مجال الهجرة يمثل تطوراً مهماً في طريقة تصور العلاقات مع الشركاء الأوروبيين.
وأضاف جونري أن المقاربة المطروحة تقوم على المعاملة بالمثل في الالتزامات، وعلى اعتراف كل طرف بمسؤوليته، وعلى البحث عن حلول مشتركة ضمن فضاء أورو-متوسطي وإفريقي أوسع. ومن هذا المنظور، لا يعود تدبير الهجرة ملفاً تقنياً معزولاً، بل يصبح جزءاً من هندسة سياسية واقتصادية تقوم على التنمية والاستقرار والعدالة في توزيع الأعباء والمنافع.
التحول الداخلي والعدالة المجالية
إلى جانب البعد الخارجي، سلطت القراءات الدولية الضوء على الرسائل الموجهة إلى الداخل المغربي. فقد اعتبر الخبير القانوني البلجيكي جوفروي جونري أن الخطاب يجمع بين تثمين المكتسبات والقراءة الواقعية للتحديات، إذ لا يكتفي بعرض ما تحقق، بل يدعو إلى ملاءمة السياسات العمومية وآليات التعاون مع تحولات وطنية ودولية عميقة.
وأشار جونري إلى أن التركيز على الشباب والعدالة الاجتماعية والمجالية وتعزيز القدرات الاقتصادية وتعبئة القطاع الخاص يعكس إرادة لتحويل الطموحات الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين. ويعني ذلك، في تقديره، الانتقال من التشخيص العام إلى سياسات أكثر قرباً من المجالات الترابية وأكثر قدرة على تقليص الفوارق.
وفي السياق ذاته، أكد الخبير المكسيكي في العلاقات الدولية بيدرو دي لا فيغا أن الخطاب يرسم ملامح مرحلة جديدة من التحول الاقتصادي والاجتماعي، ترتكز على توطيد المكتسبات وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية. ورأى أن المغرب يؤكد طموحه إلى ترسيخ موقعه كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، مع وضع تطلعات المواطنين في صلب السياسات العمومية.
وأوضح دي لا فيغا أن الرؤية الملكية تستند إلى خيارات استراتيجية في مجالات الطاقات النظيفة، والفلاحة والأمن الغذائي، والتكنولوجيات المتقدمة، والاقتصاد الرقمي. كما أبرز أهمية المقاربة الميدانية في تدبير الشأن العام، باعتبارها مدخلاً لتقديم حلول ملموسة للمشكلات المحلية، وتوسيع اللامركزية في تنفيذ السياسات العمومية بما يضمن استفادة أكثر إنصافاً لمختلف الفئات والمناطق.
خلاصة تحليلية
تتقاطع التصريحات الدولية حول اعتبار الخطاب الملكي خارطة طريق مزدوجة الأبعاد: خارجياً، يدعو إلى شراكة مغربية أوروبية جديدة لا تختزل في ضبط الحدود، بل تتأسس على السيادة والثقة والتنمية المشتركة؛ وداخلياً، يدفع نحو توطيد التحول الاقتصادي والاجتماعي وربط فعالية السياسات العمومية بالعدالة المجالية وقرب المؤسسات من المواطنين.
وتبرز هذه القراءات أن المغرب يطرح، في ملف الهجرة وفي شراكاته الأوروبية والمتوسطية، تصوراً يقوم على أن الاستقرار لا يمكن تحقيقه بالأدوات الأمنية وحدها. فالاستقرار، وفق منطق هذه الرؤية، يحتاج إلى فرص اقتصادية، وتنقل قانوني منظم، واستثمارات منتجة، وحوار سياسي متوازن، وتوزيع عادل للمسؤوليات بين بلدان المنشأ والعبور والاستقبال.
وبذلك، يتجاوز الخطاب منطق تدبير الأزمات الآنية إلى بناء إطار استراتيجي طويل المدى، يجعل من المغرب شريكاً كاملاً في صياغة الحلول الإقليمية، وفاعلاً يربط بين إفريقيا وأوروبا، في الوقت الذي يواصل فيه ورش التنمية الداخلية وتعزيز شروط العدالة والاندماج الاجتماعي.