في وقت تتواصل أشغال اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، برزت مشاركة منتخبين من الأقاليم الجنوبية للمملكة كشهادة مباشرة على التحول الديمقراطي والتنموي الذي تشهده الصحراء المغربية، في تقاطع واضح مع تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. فالرسالة التي حملها المنتخبون من الداخلة والسمارة وفم الواد وبوجدور والدشيرة إلى نيويورك تربط بوضوح بين شرعية التمثيل المنتخب، والتنمية البشرية والعمرانية، وفرصة التسوية السياسية التي يفتحها قرار مجلس الأمن رقم 2797.
شرعية تُبنى بالتصويت
قدّم أعضاء المجالس الجماعية والبرلمانيون المنتخبون من الأقاليم الجنوبية شهاداتهم أمام اللجنة الرابعة، مؤكدين أن التمثيل الحقيقي للصحراويين لا يُدّعى من الخارج ولا يُحتكر بوصفه شعارا سياسيا، بل يُكتسب عبر الاقتراع والمؤسسات المنتخبة. وأبرزت النائبة مفيدة وداد أن ولايتها تعرف مصدرها ومدتها وقيمة الثقة التي منحها لها الناخبون، في إشارة إلى الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر.
كما شدد رئيس جماعة الدشيرة، سيداتي بنمسعود، على أن شرعية التمثيل يجب أن تقوم على ولاية سياسية ومؤسساتية صادرة عن المواطن، تُكتسب بالتصويت وتتجدد دوريا بإرادة الناخبين. وهذا الخطاب يتقاطع مع ما أبرزه متدخلون آخرون أمام اللجنة من أن الأقاليم الجنوبية سجلت معدلات مرتفعة في المشاركة الانتخابية، بما يعزز الحجة القائلة بأن الحضور المؤسساتي أصبح واقعا يوميا في الحياة العامة بالمنطقة.
تنمية بشرية وعمرانية
لم تكن مداخلات المنتخبين مقتصرة على الجانب السياسي، بل ركزت على التحولات التنموية التي تشهدها مدن وأقاليم الصحراء المغربية، من الداخلة كقطب اقتصادي وواجهة أطلسية، إلى السمارة التي أكد رئيس جماعتها أنها لم تكن على هامش الدينامية التنموية رغم بعدها عن الساحل. وربط رئيس جماعة الداخلة، حرمة الله الراغب، هذه الدينامية برؤية تقوم على الانفتاح والاستثمار وتثمين الموارد وتنمية الرأسمال البشري والربط بين التنمية المحلية والشراكات الوطنية والدولية.
وأكد المستشار حميد السباعي أن الاستثمار في البنيات التحتية والرأسمال البشري يمثل، في جوهره، استثمارا في الكرامة الإنسانية، فيما أبرزت المنتخبة المحلية تكبر أبا أن المرأة الصحراوية أصبحت فاعلا اقتصاديا وحاملة لمشروع ومديرة لمؤسسة، لا مجرد مستفيدة من السياسات العمومية. كما سلط متدخلون من قطاعات المقاولة والسينما والطاقات المتجددة الضوء على تنامي الاستثمار والتكنولوجيات الحديثة والطاقات المتجددة في المنطقة.
ربط داخلي وأطلسي
أبرز رئيس جماعة السمارة، مولاي إبراهيم شريف، أن المبادرة الملكية الرامية إلى تسهيل ولوج البلدان الإفريقية غير المطلة على البحر إلى المحيط الأطلسي تتيح فرصة لإدراج المدن الداخلية ضمن شبكات الربط والتبادل والاستثمار. وهذا البعد يضيف بعدا استراتيجيا للتنمية العمرانية والاقتصادية في الأقاليم الجنوبية، إذ لم تعد المدن الداخلية معزولة عن الدينامية الوطنية والقارية.
اعتراف دولي متسارع
في السياق ذاته، جددت بنما وغواتيمالا والسنغال دعمها لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، معتبرين إياها أساسا عمليا وواقعيا وذا مصداقية للتوصل إلى تسوية نهائية للنزاع. واعتبرت بنما أن المبادرة المغربية تشكل أساسا عمليا للعملية التي ترعاها الأمم المتحدة، فيما شددت غواتيمالا على أن الحل السلمي ضروري لاستقرار المنطقة المغاربية وأمنها واندماجها.
وأكدت السنغال أن مخطط الحكم الذاتي يشكل خيارا ذا مصداقية لإنهاء النزاع، داعية إلى تعزيز التعاون مع الهيئات الأممية لضمان الحقوق الأساسية لساكنة مخيمات تندوف، بما في ذلك حرية التعبير وتكوين الجمعيات والوصول إلى المساعدات الإنسانية وإحصاء الساكنة.
قرار 2797 كمرجعية
يشكل قرار مجلس الأمن رقم 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025، الإطار المرجعي الذي تتمحور حوله هذه الدينامية، إذ جدد مجلس الأمن دعمه للمفاوضات التي تتخذ من مقترح المغرب للحكم الذاتي أساسا لها، بهدف التوصل إلى حل عادل ودائم ومقبول للطرفين.
وبذلك تتقاطع شهادات المنتخبين من الأقاليم الجنوبية مع الاتجاه الدولي المتنامي، في رسالة موحدة مفادها أن الواقعية على الأرض، ممثلة في الديمقراطية والتنمية البشرية والعمرانية، أصبحت أساس الحجة المغربية أمام الأمم المتحدة، وأن الحل السياسي المرتكز على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يكتسب زخما متسارعا في المحافل الدولية.