في دراسة تحليلية لبرامج انتخابات 2026: الثقافة “قطاع يتيم” ومفارقات صارخة في برامج الأحزاب السياسية المغربية

أصدرت جمعية نظرة للثقافة والإعلام، دراسة تحليلية تحت عنوان: “الثقافة في البرامج الانتخابية لتشريعيات 2026 بالمغرب.. دراسة تحليلية في التخطيط والسياسات العمومية”، من إنجاز الباحث عبداللطيف الحاجي، باحث بماستر الصناعات الثقافية والإبداعية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة.

اعتمدت الدراسة منهج تحليل المضمون ورصدت حضور الثقافة في البرامج الحزبية، لتكشف عن مفارقات عميقة وفجوات بنيوية تضع القطاع الثقافي في موقع “يتيم” داخل الأولويات الانتخابية.

فجوة حكومية.. ومفارقة الحزب المسير لقطاع الثقافة

من أبرز ما خلصت إليه الدراسة، التراجع الصارخ لحضور الثقافة لدى أحزاب التحالف الحكومي السابق (التجمع الوطني للأحرار، الاستقلال، الأصالة والمعاصرة)، حيث غابت الثقافة بشكل شبه كلي عن برامجها. وتبرز المفارقة الكبرى في كون الحزب الذي كان يسير وزارة الشباب والثقافة والتواصل، لم يخصص أي منصب شغل للقطاع الثقافي ضمن مليون منصب شغل وعد بها، ولم يدرج الثقافة ضمن أولوياته الخمس.

في المقابل، شكلت أحزاب المعارضة، وخاصة ذات التوجه اليساري (التقدم والاشتراكية، تحالف اليسار، الاتحاد الاشتراكي)، الاستثناء الإيجابي. فقد قدمت هذه الأحزاب التزامات مفصلة وتصورات استراتيجية، حيث خصص حزب التقدم والاشتراكية، على سبيل المثال، ميزانية تفصيلية تبلغ 20 مليار درهم على 10 سنوات، شملت البنيات التحتية، الصناعات الثقافية، والحكامة.

الفنان والتشريع.. غياب مثير للقلق

سلطت الدراسة الضوء على غياب شبه تام لوضعية الفنانين والمبدعين في معظم البرامج. فبينما التزمت أحزاب المعارضة اليسارية بوضع اجتماعي كامل للفنانين (تغطية صحية، تقاعد، قانون الفنان، وحماية حقوق المؤلف)، تجاهلت أحزاب التحالف الحكومي وباقي الأحزاب هذا البعد بشكل نهائي.

كما أشارت الدراسة إلى أن التخطيط الميزانياتي غائب بشكل شبه كلي، وأن معظم الأحزاب لا تتعامل مع الثقافة كمجال يحتاج إلى ترسانة قانونية وتشريعية، مكتفية بإجراءات إدارية، وهو ما يعكس ضعف الوعي بضرورة تأطير القطاع قانونيا، خصوصا في مجالات الذكاء الاصطناعي وحقوق المؤلف.

الأمازيغية.. حضور قوي وثقافة غائبة

رصدت الدراسة مفارقة أخرى تتعلق بالهوية، حيث تحضر الأمازيغية بقوة في معظم البرامج، بينما تغيب الثقافة كقطاع متكامل، مما يعني أن البعد الهوياتي واللغوي يتقدم على البعد الثقافي التنموي، مما يعكس نظرة تجزيئية للثقافة.

خلاصات واستنتاجات

خلصت الدراسة إلى أن الثقافة لا تزال قطاعا هامشيا في الحملات الانتخابية، ولا تشكل قضية تعبئة حقيقية في ظل هيمنة الأولويات الاقتصادية والاجتماعية. ورغم مرور أكثر من عقد على دستور 2011 الذي نص على إحداث المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، لا يزال هذا المجلس “حبرا على ورق”، مما يؤكد الفجوة بين النص الدستوري والممارسة السياسية.

وتطرح الجمعية من خلال هذه الدراسة سؤالا مركزيا حول إمكانية تحويل الثقافة إلى سياسة عمومية حقيقية في المغرب، وهو رهان يتطلب إرادة سياسية، وتصورا استراتيجيا مندمجا، وتشريعا ملائما، وهو ما لا تزال البرامج الحزبية المدروسة بعيدة عنه في أغلبها.

يمكنكم مشاركة المقال على منصتكم المفضلة
اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. نفترض أنك موافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت في ذلك. قبول قراءة المزيد