
ترأست صاحبة السمو الملكي الأميرة للا أسماء، اليوم الثلاثاء بقصر الضيافة بالرباط، مأدبة غداء أقامها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، على شرف السيدة الأولى لجمهورية كينيا، السيدة راشيل روتو، والوفد المرافق لها، وذلك بمناسبة زيارة العمل التي تقوم بها للمملكة.
وحضر هذه المأدبة عدد من المسؤولين والشخصيات، من بينهم سفيرة كينيا بالمغرب، السيدة جيسيكا غاكينيا، ووالي جهة الرباط-سلا-القنيطرة وعامل عمالة الرباط، السيد محمد اليعقوبي، والوالي المنسق الوطني للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، السيد محمد دردوري، والسفير المدير العام للوكالة المغربية للتعاون الدولي، السيد محمد مثقال، والرئيس المنتدب لمؤسسة للا أسماء، السيد كريم الصقلي، إلى جانب شخصيات أخرى.
وتعكس هذه المناسبة عمق العلاقات القائمة بين المغرب وكينيا، كما تبرز البعد الإنساني والاجتماعي الذي بات يشكل أحد مسارات التعاون جنوب-جنوب، من خلال مبادرات عملية تستهدف تحسين حياة الأطفال وتبادل الخبرات الطبية والإنسانية بين البلدان الإفريقية.
وفي هذا السياق، قامت صاحبة السمو الملكي الأميرة للا أسماء، رئيسة مؤسسة للا أسماء، والسيدة الأولى لجمهورية كينيا ورئيسة مؤسسة «صوت الطفولة» (Voice of Children Foundation)، اليوم ذاته، بزيارة مرضى كينيين ومغاربة استفادوا من عمليات زراعة قوقعة الأذن، وذلك بالمستشفى الجامعي الدولي محمد السادس بالرباط.
وتندرج هذه الزيارة في إطار المرحلة الرابعة من البرنامج الدولي «متحدون، نسمع بشكل أفضل»، إلى جانب الحملة الوطنية «نسمع»، اللذين يهدفان إلى تمكين الأطفال والأشخاص الذين يعانون من الصمم الشديد من استعادة القدرة على السمع والتواصل والتعلم والاندماج.
برنامج مغربي بامتداد إفريقي
وكانت المرحلة الرابعة من برنامج «متحدون، نسمع بشكل أفضل» قد أُطلقت بالعاصمة الكينية نيروبي في 5 نونبر 2025، بمبادرة مشتركة بين مؤسسة للا أسماء ومؤسسة «صوت الطفولة».
وتستهدف هذه المرحلة التكفل بـ100 طفل كيني يعانون من الصمم الشديد، من خلال زراعة قوقعة الأذن لفائدة 70 طفلا في نيروبي، واستقبال 30 طفلا آخرين بالمغرب للاستفادة من العملية والمسار الطبي المواكب لها.
وقد استفاد الأطفال الكينيون الذين تم التكفل بهم في المملكة من المسار الطبي نفسه المخصص للمرضى المغاربة، حيث خضع الأطفال العشرة الأوائل للعمليات بالمغرب، في إطار مقاربة تقوم على توفير العلاج ونقل الخبرة وتكوين الكفاءات في الوقت ذاته.
ولا تقتصر المبادرة على الجانب الجراحي، إذ تشمل مراحل التشخيص والتقييم الطبي، والتحضير للعملية، وزراعة القوقعة، ثم التأهيل السمعي والنطقي والنفسي، بما يساعد المستفيدين على اكتشاف عالم الصوت واستعادة القدرة على التواصل والاندماج في محيطهم الأسري والمدرسي.
تعاون يقوم على تقاسم الخبرة
يجسد هذا البرنامج توجها مغربيا يقوم على جعل الخبرة الوطنية رافعة للتعاون الإفريقي، خصوصا في المجالات المرتبطة بالصحة والإعاقة وإعادة التأهيل. فالمملكة لا تقدم خدمة علاجية مؤقتة فحسب، بل تساهم في نقل المعرفة والخبرة الطبية إلى البلدان الشريكة، بما يسمح بتطوير قدراتها الذاتية على المدى الطويل.
ومن خلال مؤسسة للا أسماء، استفاد مئات الأطفال المنحدرين من 22 بلدا في إفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية من برامج زراعة القوقعة والتكفل بالصمم. ويعكس ذلك اتساع نطاق التعاون الذي تقوده المؤسسة، وتحوله إلى نموذج من نماذج التضامن جنوب-جنوب القائم على تقاسم الإمكانات والخبرات.
ويكتسي الحضور الكيني في هذا البرنامج أهمية خاصة، بالنظر إلى أن المبادرة تجمع بين مؤسستين تعملان في المجال الإنساني، هما مؤسسة للا أسماء و«مؤسسة صوت الطفولة». كما أن إشراف السيدة راشيل روتو على المؤسسة الكينية يمنح التعاون بعدا مؤسساتيا، ويعزز فرص استمراره وتوسيعه مستقبلا.
الحملة الوطنية «نسمع»
وبالتوازي مع التعاون الدولي، تواصل مؤسسة للا أسماء تنفيذ الحملة الوطنية «نسمع» لفائدة المرضى المغاربة. وقد جرى تنزيل الحملة في خمس مدن هي الرباط والدار البيضاء وفاس ومراكش ووجدة، وبخمس مؤسسات استشفائية.

ومكنت هذه الحملة من بلوغ 1050 مريضا مغربيا استفادوا من عمليات مجانية لزراعة قوقعة الأذن، متجاوزة بذلك عتبة ألف مستفيد. كما شهدت الحملة توسعا نوعيا من خلال إجراء عمليات لفائدة أشخاص بالغين، من بينهم مستفيد يبلغ 56 سنة في مراكش، ومستفيدان يبلغان 41 و62 سنة في فاس.
ويكشف هذا التطور عن انتقال برامج زراعة القوقعة من مبادرات موجهة أساسا للأطفال إلى مقاربة أكثر شمولا، تشمل البالغين أيضا، وتتعامل مع فقدان السمع باعتباره قضية صحية واجتماعية وحقوقية تؤثر في التعليم والعمل والعلاقات الأسرية وجودة الحياة.
أبعاد إنسانية ودبلوماسية
تتجاوز زيارة الأميرة للا أسماء والسيدة راشيل روتو للمرضى الكينيين والمغاربة الطابع الطبي للمبادرة، إذ تحمل دلالات إنسانية ودبلوماسية واضحة. فهي تقدم نموذجا للتعاون المغربي-الكيني يقوم على نتائج ملموسة، ويجعل صحة الأطفال وتمكينهم من التواصل في صلب العلاقات بين البلدين.
كما تعكس الزيارة رؤية تقوم على بناء جسور التعاون من خلال العمل الاجتماعي والصحي، إلى جانب العلاقات السياسية والاقتصادية التقليدية. فالمبادرات الإنسانية تمنح الشراكة الثنائية بعدا مباشرا لدى المواطنين، وتحوّل التعاون بين المؤسسات إلى أثر يومي قابل للقياس.
وتنسجم هذه المقاربة مع توجه المغرب نحو تعزيز التعاون جنوب-جنوب، من خلال وضع خبرته وتجربته رهن إشارة البلدان الشقيقة والصديقة. ويشمل ذلك مجالات الصحة والتكوين ونقل الكفاءات، إلى جانب البنية التحتية والتنمية الاجتماعية.
رمزية مأدبة الغداء
وتأتي مأدبة الغداء التي ترأستها صاحبة السمو الملكي الأميرة للا أسماء على شرف السيدة الأولى لكينيا لتؤكد الطابع الخاص الذي توليه المملكة للعلاقات مع نيروبي. فقد جمعت المناسبة بين البعد الرسمي، بحضور مسؤولين مغاربة وسفيرة كينيا، والبعد الإنساني الذي تجسد في زيارة المرضى المستفيدين من عمليات زراعة القوقعة.
كما أن حضور السفير المدير العام للوكالة المغربية للتعاون الدولي، والرئيس المنتدب لمؤسسة للا أسماء، ومسؤولي المستشفى الجامعي الدولي محمد السادس، يعكس تعدد المؤسسات المنخرطة في هذه الشراكة، من الفاعلين الصحيين إلى مؤسسات التعاون الدولي والقطاع الإعلامي والناقل الوطني.
وبذلك، تشكل المبادرة نموذجا لتكامل الأدوار بين العمل الملكي والإنساني والمؤسساتي والطبي، بما يسمح بتحويل التضامن إلى برامج عملية ذات أثر مستدام.
شراكة تتجه نحو الاستدامة
تؤسس التجربة المغربية-الكينية في مجال زراعة القوقعة لشراكة يمكن توسيعها مستقبلا لتشمل مجالات أخرى، مثل التكوين الطبي، إعادة التأهيل، تصنيع أو صيانة الأجهزة السمعية، وتبادل الخبرات في مجال رعاية الأشخاص في وضعية إعاقة.
كما أن استفادة الأطفال الكينيين من المسار الطبي نفسه المعتمد لفائدة المرضى المغاربة تتيح بناء جسور مهنية بين الأطباء والخبراء والمؤسسات الصحية في البلدين. ومن شأن هذا التعاون أن يساهم في تطوير شبكات إفريقية متخصصة في علاج الصمم والتأهيل السمعي والنطقي.
وتبرز هذه المبادرة أن التعاون المغربي الإفريقي لا يقتصر على الاتفاقيات السياسية أو المشاريع الاقتصادية، بل يمتد إلى قطاعات تمس الحياة اليومية للمواطنين. فتمكين طفل من السمع والتواصل والتعلم يمثل، في حد ذاته، استثمارا في الإنسان وفي مستقبل العلاقات بين الشعوب.
ومن خلال الجمع بين مأدبة الغداء الرسمية والزيارة الإنسانية للمرضى، قدم المغرب وكينيا صورة متكاملة عن شراكة تقوم على الاحترام المتبادل، وتقاسم الخبرة، والتضامن العملي، وجعل الإنسان محور التعاون جنوب-جنوب.